كمال الدين دميري
258
حياة الحيوان الكبرى
عنه وهو يقول : فأين اللَّه يرفع بها صوته ويشير بأصبعه إلى السماء ! فجعل ابن عمر يردد قول الراعي ذلك . فلما قدم المدينة ، اشترى العبد الراعي والغنم ، وأعتق العبد ووهب منه الأغنام . وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي اليسر عمرو بن كعب رضي اللَّه تعالى عنه قال « 1 » : واللَّه إني لمع رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم بخيبر عشية ، إذ أقبلت غنم لرجل من اليهود تريد حصنهم ، ونحن محاصروهم ، إذ قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « من يطعمنا من هذه الغنم » قلت : أنا يا رسول اللَّه . قال : « فافعل » . قال : فخرجت أشتد مثل الظليم ، فلما نظر إلي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم موليا قال : « اللهم أمتعنا به » فأدركت الغنم ، وقد وصل أوائلها الحصن ، فأخذت شاتين من آخرها ، فاحتضنتهما تحت يدي ، ثم أقبلت بهما أشتد كأنه ليس معي شيء ، حتى ألقيتهما عند رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، فذبحوهما وأكلوهما . وكان أبو اليسر رضي اللَّه تعالى عنه من آخر أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم موتا ، وكان إذا حدث بهذا الحديث بكى ، ثم قال : امتعوني بعمري حتى صرت آخرهم موتا انتهى . وكان أبو اليسر آخر البدريين موتا رضي اللَّه تعالى عنهم . وفي الاستيعاب وغيره قصة إسلام الأسود الحبشي الذي كان يرعى غنما لعامر اليهودي ، أنه أتى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وهو محاصر لبعض حصون خيبر ، ومعه الغنم فقال : يا رسول اللَّه أعرض علي الإسلام فعرضه عليه فأسلم . ثم قال : يا رسول اللَّه إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم ، وهي أمانة عندي ، فكيف أصنع فيها ؟ فقال : « اضرب في وجوهها فسترجع إلى ربها » . فقام الأسود ، فأخذ حفنة من حصى ، ورمى بها في وجوهها ، وقال : ارجعي إلى صاحبك ، فو اللَّه لا أصبحك بعدها أبدا ، فرجعت الغنم مجتمعة ، كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن ، ثم تقدم يقاتل مع المسلمين ، فأصابه حجر فقتله ، وما صلى للَّه صلاة قط ، فأتي به إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم وقد سجي بشملة كانت عليه فالتفت إليه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ثم أعرض عنه . فقالوا : يا رسول اللَّه لم أعرضت عنه ؟ فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « إن معه الآن زوجتيه من الحور العين ، ينفضان التراب عن وجهه ، ويقولان : ترب اللَّه وجه من ترب وجهك وقتل من قتلك » . قال أبو عمرو : إنما رد رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الغنم إلى الحصن ، لأن ذلك كان مصالحا عليه ، أو كان قبل حل الغنائم . وفي الحديث « 2 » أنه عليه الصلاة والسلام قال : « ما من نبي إلا وقد رعى الغنم » . قيل : وأنت يا رسول اللَّه ؟ قال : « وأنا » . وثبت في صحيح البخاري ، وسنن ابن ماجة ، واللفظ له عن أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه قال : إن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « ما بعث اللَّه نبيا إلا راعي غنم » . فقال له أصحابه : وأنت يا رسول اللَّه ؟ قال : « وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط » « 3 » . قال سويد : يعني كل شاة بقيراط . وفي غريب الحديث للقعنبي ، « بعث موسى عليه الصلاة والسلام وهو راعي غنم ، وبعث داود عليه الصلاة والسلام وهو راعي غنم ، وبعثت وأنا راعي غنم أهلي بأجياد » . وفي الحديث
--> « 1 » رواه ابن حنبل : 3 - 427 . « 2 » رواه البخاري : إجارة 2 . « 3 » رواه ابن ماجة : تجارات 5 .