كمال الدين دميري

237

حياة الحيوان الكبرى

الغراب كله الاستتار عند السفاد ، وهو يسفد مواجهة ، ولا يعود إلى الأنثى بعد ذلك لقلة وفائه . والأنثى تبيض أربع بيضات وخمسا ، وإذا خرجت الفراخ من البيض طردتها ، لأنها تخرج قبيحة المنظر جدا ، إذ تكون صغار الأجرام كبيرة الرؤوس والمناقير ، جرداء اللون ، متفاوتة الأعضاء ، فالأبوان ينظران الفرخ كذلك فيتركانه ، فيجعل اللَّه قوته في الذباب والبعوض الكائن في عشه إلى أن يقوى وينبت ريشه ، فيعود إليه أبواه . وعلى الأنثى أن تحضن وعلى الذكر أن يأتيها بالمطعم . وفي طبعه أنه لا يتعاطى الصيد ، بل إن وجد جيفة ، أكل منها وإلا مات جوعا ، ويتقمقم كما يتقمقم ضعاف الطير ، وفيه حذر شديد وتنافر . والغداف يقاتل البوم ويخطف بيضها ويأكله ، ومن عجيب أمره أن الإنسان إذا أراد أن يأخذ فراخه ، يحمل الذكر والأنثى في أرجلهما حجارة ، ويتحلقان الجو ويطرحان الحجارة عليه يريدان بذلك دفعه . قال الجاحظ : قال صاحب منطق الطير : الغراب من لئام الطير ، وليس من كرامها ، ولا من أحرارها ومن شأنه أكل الجيف والقمامات ، وهو إما حالك السواد شديد الاحتراق ، ويكون مثله في الناس الزنج فإنهم شرار الخلق تركيبا ومزاجا ، كمن بردت بلاده ولم تنضجه الأرحام ، أو ثخنت بلاده فأحرقته الأرحام ، وإنما صارت عقول أهل بابل فوق العقول ، وكمالهم فوق الكمال ، لأجل ما فيها من الاعتدال . فالغراب الشديد السواد ، ليس له معرفة ولا كمال ، والغراب الأبقع كثير المعرفة ، وهو الأم من الأسود انتهى . والعرب تتشاءم بالغراب ، ولذا اشتقوا من اسمه الغربة والاغتراب والغريب . فائدة أجنبية : اسم الغربة مجموع من أسماء دالة على محصول اسم الغربة فالغين من غدر وغرور وغيبة وغم وغلة ، وهي حرارة الحزن ، وغرة وغول وهي كل مهلكة ، والراء من رزء وردع وردى وهو الهلاك ، والباء من بلوى وبؤس وبرح وهو الداهية ، وبوار وهو الهلاك ، والهاء من هوان وهول وهم وهلك ، قاله محمد بن ظفر ، في السلوان . وغراب البين الأبقع . قال الجوهري : هو الذي فيه سواد وبياض . وقال صاحب المجالسة : سمي غراب البين لأنه بان عن نوح ، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام ، لما وجهه لينظر إلى الماء ، فذهب ولم يرجع . ولذلك تشاءموا به . وذكر ابن قتيبة أنه سمي فاسقا ، فيما أرى ، لتخلفه حين أرسله نوح عليه السلام ، ليأتيه بخبر الأرض ، فترك أمره ووقع على جيفة . قال عنترة : ظعن الذين فراقهم أتوقع وجرى ببينهم الغراب الأبقع وقال صاحب منطق الطير : الغربان جنس من الأجناس التي أمر بقتلها في الحل والحرام ، من الفواسق ، اشتق لها ذلك الاسم من اسم إبليس ، لما يتعاطاه من الفساد الذي هو شأن إبليس ، واشتق ذلك أيضا لكل شيء اشتد أذاه . وأصل الفسق الخروج عن الشيء ، وفي الشرع الخروج عن الطاعة انتهى . قال الجاحظ : غراب البين نوعان ، أحدهما غراب صغير معروف باللؤم والضعف ، وأما الآخر فإنه ينزل في دور الناس ، ويقع على مواضع إقامتهم إذا ارتحلوا عنها ، وبانوا منها . قال : وكل غراب غراب البين ، إذا أرادوا به الشؤم لا غراب البين نفسه الذي هو غراب صغير أبقع .