كمال الدين دميري
226
حياة الحيوان الكبرى
الصبية ، وعولجت فشفيت وشبت وطلعت من أجمل نساء عصرها ، وكانت تبغي فأتت ساحلا من سواحل البحر ، وأقامت هناك تبغي . ولبث الرجل ما شاء اللَّه ، ثم قدم ذلك الساحل ، ومعه مال كثير ، فقال لامرأة من أهل ساحل البحر : ابتغي لي أجمل امرأة في القرية أتزوجها ، فقالت : ههنا امرأة من أجمل الناس ولكنها بغي ! فقال : ائتيني بها . فأتتها فقالت : قد قدم رجل له مال كثير وقال لي كذا وكذا فقلت كذا وكذا . فقالت : إني قد تركت البغاء ، ولكن إن أراد تزوجته . قال : فتزوجها فوقعت منه موقعا عظيما ، وأحبها حبا شديدا ، فبينما هو يوما عندها ، إذ أخبرها بأمره ، فقالت : أنا تلك الجارية ، وأرته الشق في بطنها . ثم قالت : وقد كنت أبغي ، فما أدري بمائة أو أقل أو أكثر . قال : فإنه قد قال لي يكون موتها بالعنكبوت ، فبنى لها برجا في الصحراء وشيده ، فبينما هو وإياها يوما في ذلك البرج إذا عنكبوت في السقف ، فقال : هذا عنكبوت ، فقالت : هذا يقتلني لا يقتله أحد غيري فحركته فسقط ، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه ، فشدخته فساح سمه بين أظفارها ولحمها ، فاسودت رجلها وماتت . فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية « 1 » * ( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) * . وقال أكثر المفسرين : إن هذه الآية نزلت في المنافقين الذين قالوا في قتلى أحد : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا . فرد اللَّه عليهم بقوله « 2 » * ( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) * . والبروج : الحصون ، والقلاع المشيدة : المرفوعة المطولة . قال قتادة : معناه في قصور محصنة . وقال عكرمة : مجصصة ، والمشيد المجصص . ويكفي العنكبوت فخرا وشرفا نسجها على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، في الغار ، والقصة في ذلك مشهورة في كتب التفاسير والسير وغيرها . ونسجت أيضا على الغار الذي دخله عبد اللَّه بن أنيس رضي اللَّه عنه ، لما بعثه النبي صلى اللَّه عليه وسلم لقتل خالد بن نبيح الهذلي بالعرنة ، فقتله ، ثم احتمل رأسه ودخل في غار ، فنسجت عليه العنكبوت . وجاء الطلب ، فلم يجدوا شيئا ، فانصرفوا راجعين . ثم خرج فسار إلى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم والرأس معه ، فلما رآه النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « قد أفلح الوجه » « 3 » . قال : وجهك يا رسول اللَّه ، ووضع الرأس بين يديه وأخبره الخبر ، فدفع إليه النبي صلى اللَّه عليه وسلم عصا كانت بيده وقال : « تخطر بهذه في الجنة » . فكانت عنده إلى أن حضرته الوفاة ، فأوصى أهله أن يدفنوها في كفنه ففعلوا . وكانت مدة غيبته ثمان عشرة ليلة . وفي الحلية للحافظ أبي نعيم عن عطاء بن ميسرة ، قال : نسجت العنكبوت مرتين على نبيين ، على داود حين كان جالوت يطلبه وعلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم في الغار . وفي تاريخ الإمام الحافظ أبي القاسم بن عساكر ، أن العنكبوت نسجت أيضا على عورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنهم ، لما صلب عريانا في سنة إحدى وعشرين ومائة ، فأقام مصلوبا أربع سنين ، وكانوا وجهوه لغير القبلة ، فدارت خشبته إلى القبلة ،
--> « 1 » سورة النساء : آية 78 . « 2 » سورة النساء : آية 78 . « 3 » رواه ابن حنبل : 3 - 496 .