كمال الدين دميري
21
حياة الحيوان الكبرى
قال شيخنا اليافعي رحمه اللَّه : ومن المحكي عن سهل رضي اللَّه تعالى عنه أيضا ، أن أمير خراسان يعقوب بن الليث أصابته علة أعيت الأطباء ، فقيل له : في ولايتك رجل صالح يقال له سهل بن عبد اللَّه ولو استحضرته ليدعو لك رجونا لك العافية فأحضره وسأله الدعاء ، فقال : كيف يستجاب دعائي لك وأنت مقيم على الظلم ؟ فنوى يعقوب التوبة والرجوع عن المظالم وحسن السيرة في الرعية وأطلق من في سجنه من المظلومين فقال سهل : اللهم كما أريته ذل المعصية فأره عز الطاعة وفرّج عنه ، فنهض كأنما نشط من عقال وعوفي من ساعته ، فعرض على سهل مالا جزيلا فأبى قبوله فلما رجع إلى تستر قيل له بأثناء الطريق : لو قبلت المال الذي عرض عليك ، وفرقته على الفقراء ؟ فنظر إلى الحصباء فإذا هي جواهر ، فقال : خذوا ما أردتم . ثم قال : من أعطى مثل هذا يحتاج إلى مال يعقوب بن الليث ؟ ونظير ذلك من قلب الأعيان ما روي عن الشيخ عيسى الهتار وهو بكسر الهاء وتخفيف التاء المثناة فوق ، أنه مر على امرأة بغي فقال لها : بعد العشاء آتيك ففرحت بذلك وتزينت ، فلما كان بعد العشاء دخل عليها البيت فصلى ركعتين ثم خرج . فقالت : أراك خرجت ؟ قال : حصل المقصود ، فورد عليها وأراد أزعجها عما كانت عليه فخرجت بعد الشيخ ، وتابت على يده فزوجها بعض الفقراء . وقال : اعملوا الوليمة عصيدة ولا تشتروا لها إداما ففعلوا ذلك وأحضروه ، وحضر الفقراء والشيخ كالمنتظر لشيء يؤتى به فوصل الخبر إلى أمير كان رفيقا لتلك المرأة فأخرج قارورتين مملوأتين خمرا وأرسل بهما إلى الشيخ وأراد بذلك الاستهزاء ، وقال للرسول : قل للشيخ : قد سرني ما سمعت ، وبلغني أن ما عندكم إدام ، فخذوا هذا فائتدموا به . فلما أقبل الرسول قال له الشيخ : أبطأت . ثم تناول إحداهما فخضها ثم صب منها عسلا مصفى ، ثم فعل كذلك بالأخرى وصب منها سمنا عربيا ، وقال للرسول : اجلس فكل فأكل فطعم سمنا وعسلا لم ير مثلهما طعما ولونا وريحا . فرجع الرسول وأخبر الأمير بذلك فجاء الأمير فأكل وتحير مما رأى وتاب على يد الشيخ . ويشبه هذا ما حكي عن بعضهم ، أنه قال : بينما أنا أسير في فلاة من الأرض ، إذا برجل يدور بشجرة شوك ، ويأكل منها رطبا جنيا فسلمت عليه فرد علي السلام ، وقال : تقدم فكل ، قال : فتقدمت إلى الشجرة ، فصرت كلما أخذت منها رطبا عاد شوكا ، فتبسم الرجل وقال : هيهات لو أطعته في الخلوات أطعمك الرطب في الفلوات . وحكاياتهم في مثل هذا كثيرة ، وإنما نبهت على قطرة من بحار عميقة ، وعلى الجملة فالدنيا تتصور لهم في صورة عجوز تخدمهم كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى قريبا في هذا الباب ، والرجوع في ذلك كله إلى أصل يجب الإيمان به ، وهو أن اللَّه على كل شيء قدير ، وليس الخرق للعوائد بمستحيل في العقل واللَّه التوفيق . وحكى : عن الشيخ أبي الغيث اليمني رضي اللَّه تعالى عنه ، أنه خرج يوما يحتطب فبينما هو يجمع الحطب إذ جاء السبع وافترس حماره ، فقال له : وعزة المعبود ما أحمل حطبي إلا على ظهرك ، فخضع له السبع فحمل الحطب على ظهره ، وساقه إلى البلد ، ثم حط عنه وخلَّاه . ونقل أن شعوانة رزقت ولدا فربته أحسن تربية ، فلما كبر ونشأ قال لها : يا أماه سألتك باللَّه إلا ما وهبتني للَّه فقالت له : يا بني أنه لا يصلح أن يهدى للملوك إلا أهل الأدب والتقى وأنت يا ولدي غمر لا