كمال الدين دميري
215
حياة الحيوان الكبرى
جزائر ، كل جزور بوسق من تمر ، يشترط عليه البدوي تمر ذخيرة مصلبة من تمر آل دليم ، فيقول قيس : نعم . قال : فاشهد لي قال : فأشهد له نفرا من الأنصار ، ومعهم نفر من المهاجرين . قال قيس : إنما أشهد من تحب ، وكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه ، فقال عمر : ما أشهد على هذا بدين ، ولا مال له ، إنما المال لأبيه ، فقال الجهني : واللَّه ما كان سعد ليبخس في وسقة من تمر ، وإني أرى وجها حسنا وفعالا شريفة . فكان بين عمر وقيس كلام ، حتى أغلظ عمر لقيس ، ثم أخذ الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاثة ، كل يوم جزورا ، فلما كان اليوم الرابع ، نهاه أميره وقال له : أتريد أن تحفر ذمتك ولا مال لك ؟ قال : فأقبل أبو عبيدة ومعه عمر ، فقال : عزمت عليك أن لا تنحر ، فقال قيس : يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت يقضي ديون الناس ، ويحمل الكل ، ويطعم في المجاعة ، ولا يقضي عني وسقة من تمر لقوم مجاهدين في سبيل اللَّه ؟ فكاد أبو عبيدة أن يلين له ، وجعل عمر يقول : اعزم عليه ، فعزم عليه وبلغ سعدا ما أصاب القوم من المجاعة فقال : إن يكن قيس كما أعرف ، فسينحر للقوم ، فلما قدم قيس لقيه سعد فقال : ما صنعت في مجاعة القوم ؟ قال : نحرت . قال : أصبت ، ثم ماذا ؟ قال : نحرت . قال : أصبت ، ثم ماذا ؟ قال : نحرت . قال : أصبت ، ثم ماذا ؟ قال : نهيت . قال : ومن نهاك ؟ قال : أبو عبيدة أميري . قال : ولم ؟ قال : زعم أنه لا مال لي ، وإنما المال لأبيك ! فقلت : إن أبي يقضي عن الأباعد ، ويحمل الكل ، ويطعم في المجاعة ، ولا يصنع هذا بي ؟ قال : تلك أربع حوائط أدناها حائطا نجذ منه خمسين وسقا . قال : وقدم البدوي مع قيس فأوفاه وسقته ، وحمله وكساه . فبلغ ذلك النبي صلى اللَّه عليه وسلم من فعل قيس فقال : « إنه من قلب جود » . والعنبر المشموم ، قيل : إنه يخرج من قعر البحر ، يأكله بعض دوابه لدسومته ، فيقذفه رجيعا ، فيوجد كالحجارة الكبار ، فيطفو على الماء ، فتلقيه الريح إلى الساحل ، وهو يقوي القلب والدماغ ، نافع من الفالج واللقوة والبلغم الغليظ . وقال ابن سيده : العنبر يخرج من البحر ، وأجوده الأشهب ثم الأزرق ثم الأصفر ثم الأسود . قال : وكثيرا ما يوجد في أجواف السمك الذي يأكله ويموت . وزعم بعض التجار أن بحر الزنج يقذفه كجمجمة الإنسان ، وأكبرها وزنه ألف مثقال . وكثيرا ما تأكله الحيتان فتموت ، والدابة التي تأكله تدعى العنبر . الحكم : قال الماوردي والروياني في كتاب الزكاة : لا زكاة في العنبر والمسك . وقال أبو يوسف : فيهما الخمس . وقال الحسن وعمر بن عبد العزيز وعبد اللَّه العنبري وإسحاق : يجب الخمس في العنبر . واحتج الشافعي عليهم بقول ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما في العنبر ، إنما هو شيء دسره البحر ، أي لفظه ، وليس بمعدن حتى يجب فيه الخمس . وروي عنه صريحا أنه قال : لا زكاة فيه . وروى جابر أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « العنبر ليس بغنيمة » ، وهذا ينفي وجوب الزكاة فيه . قالا ، أي الماوردي والروياني : وأكثر الفقهاء على أن العنبر طاهر ، وقال الشافعي : سمعت من قال : رأيت العنبر نابتا في البحر ، ملتويا مثل عنق الشاة . وقيل : إن أصله نبت في البحر وله رائحة ذكية . وفي البحر دويبة تقصده لذكاء رائحته ، وهو سمها ، فتأكله فيقتلها ويلفظها البحر ، فيخرج العنبر من بطنها .