كمال الدين دميري
193
حياة الحيوان الكبرى
الثاني ، وهو الأوسط ، الدواب والأنعام ، وركب هو ومن معه في البطن الأعلى مع ما احتاج إليه من الزاد . وروينا عن الشيخ الإمام الحافظ فخر الدين عثمان بن محمد بن عثمان التوريزي ، نزيل مكة المشرفة ، أنه قال : كنت أقرأ بمكة الفرائض ، على الشيخ تقي الدين الحوراني ، فبينما نحن جلوس ، وإذا بعقرب تمشي ، فأخذها الشيخ بيده ، وجعل يقلبها في يده ، فوضعت الكتاب من يدي ، فقال : اقرأ ، فقلت : حتى أتعلم هذه الفائدة ، فقال : هي عندك ، قلت : ما هي ؟ قال : ثبت عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال « 1 » : « من قال حين يصبح وحين يمسي : بسم اللَّه الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ، لم يضره شيء وقد قلتها أول النهار » . ومما يدفع شر الحية والعقرب ، أن يقرأ عند النوم ثلاث مرات : أعوذ بربّ أوصافه سمية من كل عقرب وحية ، سلام على نوح في العالمين ، إنا كذلك نجزي المحسنين ، أعوذ بكلمات اللَّه التامات من شر ما خلق . فائدة : يقال : لدغته العقرب تلدغه لدغا وتلداغا فهو ملدوغ ولديغ . قال أبو داود الطيالسي ، في قوله « 2 » صلى اللَّه عليه وسلم « لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين » : معناه أن المؤمن لا يعاقب على ذنبه في الدنيا ، ثم يعاقب عليه في الآخرة . والذي قال فيه النبي صلى اللَّه عليه وسلم ذلك ، هو أبو عزة الجمحي الشاعر ، واسمه عمر ووقع في الأسر يوم بدر ، ولم يكن معه مال ، فقال : يا رسول اللَّه إني ذو عيلة ، فأطلقه لبناته الخمس ، على أن لا يرجع للقتال . فرجع إلى مكة ومسح عارضيه ، وقال : خدعت محمدا مرتين ، ثم عاد عام أحد مع المشركين . فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « اللهم لا تفلته » . فلم يقع في الأسر غيره ، فقال : يا محمد إني ذو عيلة فأطلقني . فقال صلى اللَّه عليه وسلم : « لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين » . وأمر بقتله . والحديث المذكور رواه الشافعي ومسلم وابن ماجة . وقوله لا يلدغ يروى بضمن الغين على الخبر ، يعني أن المؤمن حازم لا يخدع مرة بعد مرة ، ولا يفطن لذلك . وقيل : أراد به الخداع في أمر الآخرة دون أمر الدنيا . ويروى بكسر الغين نهيا ، أي لا يؤتى من جهة الغفلة ، وهذا يصح أن يتوجه إلى أمر الدنيا والآخرة أيضا . ويؤيد ما قاله أبو داود الطيالسي ، ما رواه النسائي ، في مسند علي ، عن أبي سخيلة أنه سمع عليا رضي اللَّه تعالى عنه يقول : ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب اللَّه تعالى ؟ قالوا : بلى . قال : قوله تعالى : * ( وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ) * « 3 » . قال لي رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : يا علي ما أصابك من بلاء ، أو عقوبة ، أو مرض في الدنيا ، فبما كسبت يداك . واللَّه أكرم من أن يثني على عبده في الآخرة العقوبة ، وما عفا اللَّه عنه في الدنيا ، فاللَّه أكرم وأحلم من أن يعود بالعقوبة بعد عفوه انتهى . ولذلك قال الواحدي : إن هذه الآية أرجى آية في القرآن ،
--> « 1 » رواه أبو داود : وتر 32 . « 2 » رواه البخاري : أدب 83 ، ومسلم : زهد 63 . وأبو داود : أدب 29 . وابن ماجة : فتن 13 . وابن حنبل : 2 - 115 . « 3 » سورة الشورى : آية 30 .