كمال الدين دميري

189

حياة الحيوان الكبرى

واستعاذ باللَّه منها فكفي شرها . فأقبلت حتى وافت النيل ، فإذا هي بضفدع قد خرج من الماء فاحتملها على ظهره ، وعبر بها إلى الجانب الآخر . فقال ذو النون : فاتزرت بمئزري ونزلت في الماء ، ولم أزل أرقبها إلى أن أتت إلى الجانب الآخر ، فصعدت ثم سعت وأنا أتبعها إلى أن أتت شجرة كثيرة الأغصان ، كثيرة الظل ، وإذا بغلام أمرد أبيض نائم تحتها ، وهو مخمور ، فقلت : لا قوة إلا باللَّه ، أتت العقرب من ذلك الجانب للدغ هذا الفتى ، فإذا أنا بتنين قد أقبل يريد قتل الفتى ، فظفرت العقرب به ولزمت دماغه ، حتى قتلته ورجعت إلى الماء . وعبرت على ظهر الضفدع إلى الجانب الآخر فأنشد ذو النون يقول : يا راقدا والجليل يحفظه من كل سوء يكون في الظَّلم كيف تنام العيون عن ملك تأتيك منه فوائد النعم قال : فانتبه الفتى على كلام ذي النون ، فأخبره الخبر فتاب ونزع لباس اللهو ، ولبس أثواب السياحة وساح ومات على تلك الحالة رحمه اللَّه تعالى . واسم ذي النون ثوبان بن إبراهيم ، وقيل : الفيض بن إبراهيم . ومن كلامه رحمه اللَّه تعالى : حقيقة المحبة أن تحب ما أحبه اللَّه ، وتبغض ما أبغضه اللَّه ، وتطلب رضاه وترفض جميع ما يشغلك عنه ، وأن لا تخاف فيه لومة لائم ، وأن تعزل نفسك عن رؤيتها وتدبيرها . فإن أشد الحجاب رؤية النفس وتدبيرها . وقال رحمه اللَّه : لا يزال العارف ما دام في الدنيا ، بين الفخر والفقر ، فإذا ذكر اللَّه افتخر ، وإذا ذكر نفسه افتقر . وقال : ليس بذي لب من جد في أمر دنياه وتهاون في أمر آخرته ، ولا من سفه في مواطن حلمه ، ولا من تكبر في مواطن تواضعه ، ولا من فقدت منه التقوى في مواطن طمعه ، ولا من غضب من حق إن قيل له ، ولا من زهد فيما يرغب العقلاء فيه ، ولا من رغب فيما يزهد العقلاء فيه ، ولا من طلب الإنصاف من غيره لنفسه ، ولا من نسي اللَّه تعالى في مواطن طاعته ، وذكر اللَّه في مواطن الحاجة إليه ، ولا من جمع العلم ليعرف به ثم أثر عليه هواه بعد تعلمه ، ولا من قل منه الحياء من اللَّه تعالى ، على جميل ستره ، ولا من أغفل الشكر على اظهار نعمه ، ولا من عجز عن مجاهدة عدوه ، ولا من جعل مروأته لباسه ، ولم يجعل أدبه درعه وتقواه لباسه ، ولا من جعل علمه ومعرفته تظرفا وتزينا في مجلسه ، ثم قال : استغفر اللَّه العظيم ، إن الكلام كثير وإن لم تقطعه لم ينقطع . وحكى لي بعض أشياخي عن ذي النون أنه قال لبعض الرهبان : ما معنى المحبة ؟ فقال : لا يطيق العبد حمل محبتين : من أحب اللَّه لا يحب الأغيار ، ومن أحب الأغيار لا يحب اللَّه خالصا ، فتفكر في حالك من أي القبيلين أنت ؟ قال : قلت : صف لي المحبة . فقال : المحبة عقل ذاهب ، ودمع ساكب ، ونوم طريد ، وشوق شديد ، والحبيب يفعل ما يريد . قال ذو النون : فعمل هذا الكلام معي ، فعلمت أنه خرج من المعدن وأن الراهب مسلم . ثم فارقته فبينما أنا أطوف بالكعبة ، وإذا بالراهب يطوف وقد نحل ، فقال لي : يا أبا الفيض ، تم الصلح وانفتح باب المؤانسة ، ومن اللَّه علي بالاسلام وحملني ما عجزت عنه السماوات والأرض . قال ذو النون : حمل نفسه محبة اللَّه تعالى التي عجزت عنها السماوات والأرض ، وصم الجبال ، وحملها أجلاد الرجال