كمال الدين دميري
180
حياة الحيوان الكبرى
فيمن هو دونك ، وعظم الرب شأنك ، فما أحد فوقك . هكذا حكاه ابن الجوزي وغيره . وذكر ابن هشام ، شارح الدريدية وغيره ، أن الزباء ، هي التي أرسلت إليه تخطبه ، وتعرض عليه نفسها ، ليتصل ملكه بملكها ، فدعته نفسه إلى ذلك ، فاستشار وزراءه ، فكل واحد منهم رأى ذلك مصلحة ، إلا قصيرا فإنه قال : أيها الملك هذه خديعة ومكر ، فلم يسمع منه . قال : ولم يكن قصيرا ولكن سمي به أه . قال ابن الجوزي : فقال جذيمة : يا قصير ، الرأي ما رأيته وقلته ، ولكن النفس تواقة ، وإلى ما تحب وتهوى مشتاقة ، ولكل امرئ قدر لا مفر منه ولا وزر ، ثم وجه إليها خاطبا وقال له : اذكر لها ما ترغبها فيه ، وتصبو إليه ، فجاءها خطيبه فلما سمعت كلامه ، وعرفت مراده ، قالت : أنعم بك عينا وبما جئت به . وأظهرت له السرور والرغبة فيه ، وأكرمت مقدمه ، ورفعت موضعه ، وقالت : قد كنت أضربت عن هذا ، مخافة أن لا أجد كفؤا ! ولكن الملك فوق قدري ، وأنا دون قدره قد أجبت إلى ما سأل ، ورغبت فيما قال ، ولولا أن السعي في مثل هذا الأمر بالرجال أمثل ، لسرت إليه ، ولنزلت عليه . وأهدت له هدية سنية ، ساقت إليه فيها العبيد والإماء ، والكراع والسلاح ، والأموال والإبل والغنم ، وغير ذلك من الثياب والأمتعة والجواهر شيئا عظيما . فلما رجع إليه خطيبه ، أعجبه ما سمع من الجواب ، وأبهجه ما رأى من اللطف ، الذي تحير فيه عقول ذوي الألباب ، وظن أن ذلك منها لحصول رغبة ، فأعجبته نفسه ، وسار من فوره فيمن يثق به من خاصته ، وأهل مملكته ، وفيهم قصير خازنه ، وقد استخلف على مملكته عمرو بن عدي اللخمي ، وهو أول من ملك الحيرة من لخم ، وكانت مدة ملكه مائة وعشرين سنة ، وهو الذي اختطفته الجن وهو صبي ثم ردته وقد شب وكبر . فألبسته أمه طوقا من ذهب وأمرته بزيارة خاله جذيمة ، فلما رأى جذيمة لحيته والطوق في عنقه قال : « شب عمرو عن الطوق » « 1 » ، فأرسلها مثلا . وقال ابن هشام : إنه ملك مائة وثماني عشرة سنة . قال ابن الجوزي : فاستخلفه وسار إلى الزباء فوصل إلى قرية على الفرات ، يقال لها نيفة فنزل بها ، وتصيد وأكل وشرب . واستعاد المشورة والرأي من أصحابه ، فسكت القوم وافتتح قصير الكلام فقال : أيها الملك كل عزم لا يؤيد بحزم فإلى أين يكون كونه ؟ فلا تثق بزخرف قول لا محصول له ، ولا تقذف الرأي بالهوى فيفسد ، ولا الحزم بالمنى فيبعد ، والرأي عندي للملك أن يعتقب أمره بالتثبت ، ويأخذ حذره بالتيقظ ، ولولا أن الأمور تجري بالمقدر ، لعزمت على الملك عزما بتا أن لا يفعل . فأقبل جذيمة على الجماعة ، وقال : ما عندكم أنتم في هذا الأمر ؟ فتكلموا بحسب ما عرفوا من رغبته في ذلك ، وصوبوا رأيه وقووا عزمه ، فقال جذيمة : الرأي مع الجماعة ، والصواب ما رأيتم . فقال قصير : « أرى القدر يسابق الحذر ، فلا يطاع لقصير أمر » . فأرسلها مثلا ، ثم سار جذيمة ، فلما قرب من ديار الزباء ، أرسل إليها يعلمها بمجيئه ، فأظهرت السرور به ، والرغبة فيه وأمرت بحمل الميرة إليه ، وقالت لجندها ، ولخاصة أهل مملكتها ، وعامة أهل دولتها
--> « 1 » جمهرة الأمثال : 1 / 448 .