كمال الدين دميري

174

حياة الحيوان الكبرى

والعقاب تبيض ثلاث بيضات في الغالب ، وتحضنها ثلاثين يوما ، وما عداها من الجوارح يبيض بيضتين ويحضن عشرين يوما ، فإذا خرجت فراخ العقاب ، ألقت واحدا منها لأنه يثقل عليها طعم الثلاث ، وذلك لقلة صبرها ، والفرخ الذي تلقيه ، يعطف عليه طائر آخر ، يسمى كاسر العظام ، ويسمى المكلفة فيربيه . ومن عادة هذا الطائر أن يزق كل فرخ ضائع . والعقاب ، إذا صادت شيئا ، لا تحمله على الفور إلى مكانها ، بل تنقله من موضع إلى موضع ، ولا تقعد إلا على الأماكن المرتفعة ، وإذا صادت الأرانب تبدأ بصيد الصغار ثم الكبار . وهي أشد الجوارح حرارة ، وأقواها حركة ، وأيبسها مزاجا ، وهي خفيفة الجناح ، سريعة الطيران ، تتغدى بالعراق وتتعشى باليمن ، وريشها الذي عليها فروتها في الشتاء ، وحليتها في الصيف ، ومتى ثقلت عن النهوض وعميت ، حملتها الفراخ على ظهرها ونقلتها من مكان إلى مكان ، فعند ذلك تلتمس لها عينا صافية بأرض الهند ، على رأس جبل فتغمسها فيها ، ثم تضعها في شعاع الشمس فيسقط ريشها ، وينبت لها ريش جديد ، وتذهب ظلمة بصرها ، ثم تغوص في تلك العين فإذا هي قد عادت شابة ، كما كانت . فسبحان القادر على كل شيء ، الملهم كل نفس هداها . قال التوحيدي : ومن عجيب ما ألهمته ، أنها إذا اشتكت أكبادها ، أكلت أكباد الأرانب والثعالب فتبرأ . وهي تأكل الحيات إلا رؤوسها ، والطيور إلا قلوبها ، ويدل لهذا قول امرئ القيس « 1 » : كأن قلوب الطير رطبا ويابسا لدى وكرها العناب والحشف البالي « 2 » ومنه قول طرفة بن العبد « 3 » : كأنّ قلوب الطير في عشها نوى القسب ملقى عند بعض المآدب « 4 » وقيل لبشار بن برد الأعمى الشاعر : لو خيرك اللَّه أن تكون حيوانا ماذا كنت تختار ؟ قال : العقاب لأنها تلبث حيث لا يبلغها سبع ولا ذو أربع ، وتحيد عنها سباع الطير ولا تعاني الصيد إلا قليلا ، بل تسلب كل ذي صيد صيده . ومن شأنها أن جناحها لا يزال يخفق قال عمرو بن حزام : لقد تركت عفراء قلبي كأنه جناح عقاب دائم الخفقان وفي عجائب المخلوقات ، في ذكر الأحجار ، أن حجر العقاب يشبه نوى التمر هندي إذا حرك يسمع منه صوت ، وإذا كسر لا يوجد فيه شيء يوجد في عش العقاب . والعقاب يجلبه من أرض الهند وإذا قصد الإنسان عشه ، يرمي إليه بهذا الحجر ليأخذه ويرجع ، فكأنه عرف أن قصدهم إياه لخاصيته . فمن خواصه أنه إذا علق على من بها عسر الولادة ، تضع سريعا . ومن جعله تحت

--> « 1 » امرؤ القيس بن حجر الكندي ، شاعر جاهلي ، كان والده ملكا في نجد ، وهو من الفحول . « 2 » الحشف : أردأ التمر ، والبيت في ديوانه 145 . « 3 » طرفة : عمرو بن العبد ، وطرفة لقبه ، شاعر جاهلي مقدّم ، دبّر عمرو بن هند مقتله . « 4 » القسب : التمر اليابس .