كمال الدين دميري

136

حياة الحيوان الكبرى

ابن لهيعة عن ابن هبيرة ، عن أبي عبد الرحمن الجيلي ، عن عبد اللَّه بن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما ، عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، قال « 1 » : « من رجعته الطيرة عن حاجته ، فقد أشرك » . قالوا : وما كفارة ذلك يا رسول اللَّه ؟ قال صلى اللَّه عليه وسلم : « أن يقول أحدكم : اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ، ولا إله غيرك ، ثم يمضي لحاجته » « 2 » . تنبيه مهم : جزم الإمام العلامة القاضي أبو بكر بن العربي ، في الأحكام ، في سورة المائدة ، بتحريم أخذ الفأل من المصحف . ونقله القرافي عن الإمام العلامة أبي الوليد الطرطوشي ، وأقره وأباحه ابن بطة من الحنابلة . ومقتضى مذهبنا كراهته . وحكى الماوردي ، في كتاب أدب الدين والدنيا ، أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك ، تفاءل يوما في المصحف فخرج له قوله تعالى : * ( واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) * « 3 » فمزق المصحف وأنشأ يقول « 4 » : أتوعد كلّ جبار عنيد فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربّك يوم حشر فقل يا رب مزّقني الوليد فلم يلبث إلَّا أياما يسيرة حتى قتل شر قتلة ، وصلب رأسه على قصره ، ثم أعلى سور بلده ، كما تقدم في باب الهمزة في لفظ الأوز . فائدة أخرى : روى الترمذي وابن ماجة والحاكم ، وصححوه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « لو توكلتم على اللَّه حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا » « 5 » معناه تذهب أول النهار ضامرة البطون من الجوع وترجع آخر النهار ممتلئة البطون من الشبع . قال الإمام أحمد : ليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب ، بل فيه ما يدل على طلب الرزق ، وإنما أراد ، واللَّه أعلم ، لو توكلوا على اللَّه في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم ، وعلموا أن الخير بيده ومن عنده ، لم ينصرفوا إلا سالمين غانمين ، كالطير تغدو خماصا ، وتروح بطانا ، لكنهم يعتمدون على قوتهم وكسبهم ، وهذا خلاف التوكل . وفي الاحياء ، في أوائل كتاب أحكام الكسب ، قيل لأحمد : ما تقول في الذي يجلس في بيته أو مسجده ويقول : لا أعمل شيئا حتى يأتيني رزقي ؟ فقال أحمد : هذا رجل جهل العلم ! أما سمع قول النبي صلى اللَّه عليه وسلم : « إن اللَّه جعل رزقي تحت ظل رمحي » « 6 » . وقوله حيث ذكر الطير : « تغدو خماصا وتروح بطانا » « 7 » . وكان أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، يتجرون في البر والبحر ، ويعملون في نخيلهم . والقدوة بهم . مسألة : أوصى للمتوكلين ، أفتى ابن عباس بأن ذلك يصرف للزراع ، فإنهم يحرثون ويضعون البذر في الأرض فهم متوكلون على اللَّه تعالى ، ويدل له ما روى البيهقي في الشعب ، والعسكري في الأمثال ، أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه تعالى عنه ، لقى ناسا من أهل اليمن ،

--> « 1 » رواه ابن حنبل 2 - 220 . « 2 » رواه ابن حنبل أيضا 2 - 220 . « 3 » سورة إبراهيم : آية 15 . « 4 » فوات الوفيات 4 / 257 . والوليد بن يزيد هذا ، كان منغمسا باللهو والملذات وقتل لذلك سنة 126 ه . « 5 » رواه الترمذي : زهد 33 . وابن حنبل 1 - 30 . « 6 » رواه البخاري : جهاد 88 ، وابن حنبل : 2 . « 7 » رواه الترمذي : زهد 33 . وابن حنبل 1 - 30 .