كمال الدين دميري

128

حياة الحيوان الكبرى

تجهيزه ، ثم حملته ووضعته فيه ووقفت ، فإذا أنا برجل قد نزل من الهواء ، فصلينا عليه ، ثم وقفنا ننتظر ما يكون من أمره ، وإذا الجو قد امتلأ بطيور خضر ، فجاء طائر كبير فابتلعه ثم طار ، فتعجبت منه ! فقال لي ذلك الرجل : لا تعجب من هذا ، فإن أرواح الشهداء ، في حواصل طيور خضر ، ترعى في الجنة ، وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش ! قال شيخنا : أولئك شهداء السيوف ، وأما شهداء الصفوة ، فأجسادهم أرواح ، وقد تكلمت على مقام المحبة ، في آخر الجزء الثامن من كتابي الجوهر الفريد في نحو خمس كراكيس ، فلينظر هناك وباللَّه التوفيق . فروع منثورة : منها لو ملك الإنسان طائرا أو صيدا ، وأراد إرساله من يده ، فوجهان : أحدهما أنه يجوز ويزول ملكه عنه كما لو أعتق عبدا . واختاره ابن أبي هريرة . والثاني لا يجوز ذلك ، واختاره الشيخ أبو إسحاق والقفال والقاضي أبو الطيب ، وهو الأصح في الروضة والشرح ، ولو فعله عصى ، ولم يخرج عن ملكه بالإرسال ، لأنه يشبه سوائب الجاهلية ، كما تقدم في باب الصاد المهملة . وقياسا على ما لو سيب دابة ، قال القفال : والعوام يسمونه عتقا ، ويحتسبونه وهو حرام ، وينبغي الاحتراز عن ذلك ، لأن الطائر المخلى يختلط بالطيور المباحة ، فيأخذه الآخذ ظنا أنه قد ملكه ، وهو لا يملكه ، فيكون سببا لوقوع أخيه المؤمن في المحظورات . واختار صاحب الإيضاح وجها ثالثا ، وهو إن قصد بعتقه التقرب إلى اللَّه تعالى ، زال ملكه عنه ، وإلا فلا ، وإن قلنا بالوجه الأول ، فإنه يعود بالإرسال إلى ما كان عليه في الأصل من حكم الإباحة ، وإن قلنا بالوجه الثاني ، وهو الأصح كما تقدم ، لم يجز لمن عرف أنه ملك الغير ، ويعرف كونه ملكا للغير بكونه مخطوما ، أو مقصوص الجناح ، أو مقرطا ، أو فيه جلاجل ، أو موسوما ، أو مخضوبا ، أو غير ذلك مما يدل على الملك ، فإن شك في كونه مملوكا ، فالأصل الحل ، فإن قال المرسل عند إرساله : أبحته لمن يأخذه جاز اصطياده . وإن قلنا بالوجه الثالث ، فهل يحل اصطياده ؟ فوجهان : أحدهما نعم ، لأنه قد عاد إلى حكم الإباحة ، ولأنا لو منعنا اصطياده ، لأشبه سوائب الجاهلية ، وهذا هو الأصح في الروضة ، والثاني المنع ، كالعبد إذا عتق فإنه لا يسترق ، وينبغي أن يختص هذا الوجه ، بما إذا أعتقه مسلم ، فإن أعتقه كافر جاز اصطياده قطعا ، لأن عتقه لا يصح ويسترق عتيقه . ومنها اعلم أن الإمام الرافعي ، رحمه اللَّه تعالى ، قد أطلق القول بمنع الإرسال ، ولا بد من استثناء صور : الأولى ، أنه إذا كان الطائر معتاد العدو ، فإنه يجوز إرساله في المسابقة . الثانية : إذا كان للطائر فرخ يخشى عليه الموت بحبس الطائر عنه ، فينبغي هنا القطع بوجوب الإرسال ، لأن الفرخ حيوان محترم ، فيجب السعي في صيانة روحه ، وقد صرح الأصحاب بوجوب تأخير الحامل وإمهالها ، إذا وجب عليها الرجم أو القصاص ، لأجل إرضاعها الولد . وجزم الشيخ أبو محمد الجويني بتحريم ذبح الحيوان المأكول إذا كان حاملا بغير مأكول ، وعلله بأن في ذبحه قتل ما لا يحل ذبحه ، وهو الحمل وقد أطلق صلى اللَّه عليه وسلم ظبية شكت أن لها خشفين ، أي ولدين بالغابة ، ففي إطلاقه صلى اللَّه عليه وسلم إياها دليل على الوجوب ، لأن ما كان ممنوعا منه ولم ينسخ ثم