كمال الدين دميري

9

حياة الحيوان الكبرى

والضبع ، فإن كان الولد ذكرا ، وقع على البقرة فتأتي بالزرافة ، وذلك في بلاد الحبشة ، ولذلك قيل لها الزرافة ، وهي في الأصل الجماعة ، فلما تولدت من جماعة ، قيل لها ذلك ، والعجم تسميها « اشتركا » و « يلنك » لأن اشتر الجمل وكاو البقرة ويلنك الضبع . وقال قوم : إنها متولدة من حيوانات مختلفة ، وسبب ذلك اجتماع الدواب والوحوش في القيظ ، عند المياه ، فتتسافد فيلقح منها ما يلقح ، ويمتنع منها ما يمتنع ، وربما سفد الأنثى من الحيوان ذكور كثيرة ، فتختلط مياهها فيأتي منها خلق مختلف الصور والألوان والأشكال . والجاحظ لا يرضى هذا القول ، ويقول : إنه جهل شديد ، لا يصدر إلا ممن لا تحصيل لديه ، لأن اللَّه تعالى يخلق ما يشاء ، وهو نوع من الحيوان قائم بنفسه ، كقيام الخيل والحمير ، ومما يحقق ذلك أنه يلد مثله وقد شوهد ذلك وتحقق . وفي حكمها وجهان : أحدهما التحريم ، وبه جزم صاحب التنبيه وفي شرح المهذب للنووي أنها محرمة بلا خلاف ، وأن بعضهم عدها من المتولد بين المأكول وغيره وقال بتحريمها القاضي أبو الخطاب من الحنابلة ، والثاني الحل ، وبه أفتى الشيخ تقي الدين بن أبي الدم « 1 » الحموي ، ونقله عن فتاوي القاضي حسين وذكر أبو الخطاب ما يوافق الحل فإنه حكى في فروعه قولين في أن الكركي والبط والزرافة ، هل تفدى بشاة أو تفدى بالقيمة ؟ والفداء لا يكون إلا للمأكول . قال ابن الرفعة : وهو المعتبر ، كما أفتى به البغوي قال : ومنهم من أول لفظها وقال : ليست الزرافة بالفاء بل بالقاف . قال الشيخ تقي الدين السبكي : هذا التعليل ليس بشيء لأنه لا يعرف . واختار في الحلبيات حلها كما أفتى به ابن أبي الدم ، ونقله عن القاضي حسين وتتمة التتمة قال : وما ادعاه النووي ممنوع وما ادعاه أبو الخطاب الحنبلي يجوز حمله على جنس يتقوى بنابه ، وأما هذا الذي شاهدناه فلا وجه للتحريم فيه . وما برحت أسمع هذا بمصر وقال ابن أبي الدم ، في شرح التنبيه : وما ذكره الشيخ في التنبيه غير مذكور في كتب المذهب . وقد ذكر القاضي حسين أنها تحل ثم قال : قلت هذا مع أنها أقرب شبها بما يحل ، وهو الإبل والبقر ، وذلك يدل على حلها ويمكن أن يقال : إنما ذكر الشيخ ذلك اعتمادا على ما ذكر أهل اللغة أنها من السباع ، وتسميتهم لها بذلك تقتضي عدم الحل ، وإذا كان كذلك فقد ذكر صاحب كتاب العين أن الزّرافة بفتح الزاي وضمها من السباع ويقال لها بالفارسية « اشتركا » و « يلنك » . وقد ذكر في موضع آخر أن الزرافة متولدة بين الناقة الوحشية والضبع ، فيجيء الولد في خلقة الناقة والضبع ، فإن كان الولد ذكرا عرض للأنثى من بقر الوحش فيلحقها ، فتأتي بالزرافة . وسميت بذلك لأنها جمل وناقة ، ولما كان كذلك وسمع الشيخ أنها من السباع اعتقد أنها من السباع حقيقة ولم يكن رآها فاستدل بذلك على تحريم أكلها انتهى . وقد تقدم أن الجاحظ لم يرتض هذا القول ، وقال « 2 » إن هذا القول جهل بين ، وإن الزرافة نوع من الحيوان قائم بنفسه كقيام الخيل والحمير .

--> « 1 » ابن أبي الدم : إبراهيم بن عبد اللَّه بن عبد المنعم الهمداني الحموي ، أبو إسحاق ، من علماء الشافعية تفقه ببغداد ، وسمع بالقاهرة ، وكان مولده في حماة وفيها مات سنة 642 ه . « 2 » الحيوان للجاحظ : 7 / 241 .