كمال الدين دميري
507
حياة الحيوان الكبرى
الباعثة على تأليف هذا الكتاب كما تقدم في خطبته واللَّه أعلم . باب الراء المهملة الراحلة : قال الجوهري : هي الناقة التي تصلح لأن ترحل ، وكذلك الرحول ويقال الراحلة المركب من الإبل ذكرا كان أو أنثى انتهى . والهاء فيها للمبالغة كالتي في داهية وراوية وعلَّامة . وإنما سميت راحلة لأنها ترحل أي يشد عليها الرحل فهي فاعلة بمعنى مفعولة كقوله « 1 » تعالى : * ( فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ) * * أي مرضية . وقد ورد فاعل بمعنى مفعول في عدة مواضع من القرآن العظيم . كقوله « 2 » تعالى : * ( لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ الله إِلَّا مَنْ رَحِمَ ) * أي لا معصوم . وكقوله « 3 » تعالى : * ( ماءٍ دافِقٍ ) * أي موفوق . وكقوله « 4 » تعالى : * ( حَرَماً آمِناً ) * * أي مأمونا . وفيه جاء أيضا مفعول بمعنى فاعل ، كقوله « 5 » تعالى : * ( حِجاباً مَسْتُوراً ) * أي ساترا ، و * ( كانَ وَعْدُه مَأْتِيًّا ) * « 6 » أي آتيا . قال الحريري « 7 » : وقد يكنى عن النعل بالراحلة ، لأنها مطية القدم وإليها أشار الشاعر بقوله ملغزا : رواحلنا ست ونحن ثلاثة نجنبهن الماء في كل مورد روى البيهقي في الشعب ، في أواخر الباب الخامس والخمسين ، أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، قال : « من مشى عن راحلته عقبة فكأنما أعتق رقبة » . قال أبو أحمد : العقبة ستة أميال ، وروى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنهما أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : « الناس كابل مائة لا تجد فيها راحلة « 8 » » . وقال البيهقي في سننه في باب إنصاف الخصمين في الدخول على القاضي والاستماع منهما والإنصاف لهما هذا الحديث يتأول على أن الناس في أحكام الدين سواء ، لا فضل فيها الشريف على مشروف ، ولا لرفيع على وضيع ، كالإبل المائة لا يكون فيها راحلة ، وهي الذلولة التي ترحل وتركب . وذكر قبله عن ابن سيرين أنه قال : كان أبو عبيدة بن حذيفة قاضيا ، فدخل عليه رجل من الأشراف ، وهو يستوقد نارا ، فسأله حاجة ، فقال له أبو عبيدة : أسألك أن تدخل أصبعك في هذه النار ، قال سبحان اللَّه . قال : أبخلت علي بإصبع من أصابعك أن تدخله في هذه النار ، وتسألني إدخال جسمي كله في نار جهنم ؟ وقال ابن قتيبة : الراحلة النجيبة المختارة من الإبل للركوب وغيره ، وهي كاملة الأوصاف ، فإذا كانت في إبل عرفت . قال : ومعنى الحديث أن الناس متساوون ليس لأحد منهم فضل في النسب بل هل أشباه كالإبل المائة . وقال الأزهري : الراحلة عند العرب ، الجمل النجيب « 9 » والناقة النجيبة .
--> « 1 » سورة الحاقة : الآية 21 . « 2 » سورة هود : الآية 43 . « 3 » سورة الطارق : الآية 6 . « 4 » سورة العنكبوت : الآية 67 . « 5 » سورة الإسراء : الآية 45 . « 6 » سورة مريم : الآية 61 . « 7 » الحريري : القاسم بن علي بن محمد بن عثمان ، أبو محمد الحريري ، البصري ، الأديب الكبير صاحب « المقامات » الحريرية . « ودرّة الغواص » . مات بالبصرة سنة 516 ه - . « 8 » رواه البخاري في الرقاق : 35 . ومسلم في فضائل الصحابة : 232 . « 9 » أبو العباس القرطبي .