كمال الدين دميري

27

حياة الحيوان الكبرى

كذا وكذا عاما لم يصب حوّاء أي امتنع من غشيانها أعواما ، وتوحش عنها . ويقال للإبل بنات الليل ، ويقال للذكر والأنثى منها بعير إذا أجذع ويجمع على : أبعرة وبعران والشارف : الناقة المسنة وجمعها شرف والعوامل : الإبل ذوات السنامين . والإبل من الحيوانات العجيبة وإن كان عجبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم لها ، وهو أنها حيوان عظيم الجسم ، سريع الانقياد ، ينهض بالحمل الثقيل ، ويبرك به ، وتأخذ زمامه فأرة فتذهب به إلى حيث شاءت ، ويتخذ على ظهره بيت يقعد الإنسان فيه ، مع مأكوله ومشروبه وملبوسه وظروفه ووسائده ، كأنه في بيته ويتخذ للبيت سقف وهو يمشي بكل هذه . ولهذا قال « 1 » تعالى : * ( أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) * . وقد جعلها اللَّه تعالى طوال الأعناق لتثور بالأثقال ، وعن بعض الحكماء ، أنه حدث عن الإبل وعن بديع خلقها وكان قد نشأ بأرض لا إبل فيها ، ففكر ساعة ثم قال : يوشك أن تكون طوال الأعناق ، وحيث أراد اللَّه تعالى بها أن تكون سفائن البر ، صبرها على احتمال العطش ، حتى إن ظمأها ليرتفع إلى العشر . وجعلها ترعى كل شيء نابت في البراري والمفاوز ، مما يرعاه سائر البهائم . وروي عن سعيد بن جبير أنه قال : لقيت شريحا القاضي ذاهبا فقلت له : أين تريد ؟ فقال : أريد الكناسة . فقلت : وما تصنع بالكناسة قال : انظر إلى الإبل كيف خلقت . وقال « 2 » تعالى : * ( وعَلَيْها وعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ) * * قرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفن البر قال ذو الرّمة « 3 » : سفينة بر تحت خدي زمامها . يريد صيدح التي يخاطبها بقوله : سمعت الناس ينتجعون غيثا فقلت لصيدح انتجعي بلالا وصيدح اسم ناقته . وهذا البيت أنشده سيبويه « 4 » ورواه برفع الناس على الحكاية ، أي : سمعت هذه الكلمة . ورواه غيره بالنصب ، وكل له وجه . وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى ذكر الصيدح في باب الصاد المهملة . وربما تصبر الإبل عن الماء عشرة أيام وإنما جعل اللَّه تعالى أعناقها طوالا ، لتستعين بها على النهوض ، بالحمل الثقيل ، وفي الحديث : « لا تسبوا الإبل فإن فيها رقوء الدم ، ومهر الكريمة » . أي أنها تعطى في الديات فتحقن بها الدماء وتمنع من أن يهراق دم القاتل . هذه عبارة الفصيح وفي الحديث لا تسبوا الإبل فإنها من نفس اللَّه تعالى أي مما يوسع اللَّه تعالى به على الناس حكاه ابن سيده . والذي نعرفه « لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن جل وعلا « 5 » » وفي

--> « 1 » سورة الغاشية : الآية 17 . « 2 » سورة المؤمنون : الآية 12 . « 3 » ذو الرّمة : هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي من فحول الشعراء في العصر الأموي . توفي سنة 117 ه . والشعر في ديوانه : 70 . « 4 » سيبويه : هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء ، أبو بشر ، إمام النحاة وأول من بسط علم النحو . ولد في شيراز وأقام في البصرة وأخذ عن الخليل . توفي سنة 180 ه . « 5 » رواه الترمذي في الفتن : 65 . وابن ماجة في الأدب : 29 . وغيرهما .