كمال الدين دميري
188
حياة الحيوان الكبرى
يا من يرى مد البعوض جناحها في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى مناط عروقها في نحرها والمخ في تلك العظام النحل « 1 » امنن علي بتوبة تمحو بها ما كان مني في الزمان الأول « 2 » ونقل ابن خلكان عن بعض الفضلاء ، أن الزمخشري أوصى أن تكتب هذه الأبيات على قبره . ويروي عوض امنن علي بتوبة كما قال بعضهم : اغفر لعبد تاب من فرطاته ما كان منه في الزمان الأول وفي تاريخ « 3 » ابن خلكان وغيره أن الزمخشري كان يعتقد الاعتزال ويتظاهر به ، وكان إذا استأذن على صاحب له بالدخول ، يقول : أبو القاسم المعتزلي بالباب . وأول ما صنف من الكتب الكشاف فكتب في أول خطبته : الحمد للَّه الذي خلق القرآن فقيل له : إن تركته على هذه الهيئة ، هجره الناس فغيره ، وقال : الحمد للَّه الذي جعل القرآن وجعل عندهم بمعنى خلق . ويوجد في كثير من النسخ الحمد للَّه الذي أنزل القرآن وهو من إصلاح الناس لا من إصلاح المصنف فافهم . توفي الزمخشري ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة وقد تكلم في الإحياء في باب المحبة على خلق البعوضة وصفتها وما أودعه اللَّه تعالى فيها من الأسرار . فائدة : رأيت في كتاب الدعاء للشيخ الإمام العلامة أبي بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي « 4 » ، ويعرف بابن أبي رنده بالراء المهملة المفتوحة وتسكين النون ، وهو إمام ورع أديب متقلل ، وفاته بالإسكندرية سنة اثنتين وخمسمائة ، عن مطرف بن عبد اللَّه بن أبي مصعب المدني أنه قال : دخلت على المنصور فوجدته مغموما حزينا قد امتنع من الكلام ، لفقد بعض أحبته فقال لي : يا مطرف طرقني من الهم ما لا يكشفه إلا اللَّه الذي بلا به ، فهل من دعاء أدعو به عسى يكشفه اللَّه عني ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين حدثني محمد بن ثابت عن عمر بن ثابت البصري قال : دخلت في أذن رجل من أهل البصرة بعوضة حتى وصلت إلى صماخه فأنصبته وأسهرته ليله ونهاره ، فقال له رجل من أصحاب الحسن البصري : يا هذا ادع بدعاء العلاء بن الحضرمي صاحب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم الذي دعا به في المفازة وفي البحر فخلصه اللَّه تعالى . فقال له الرجل : وما هو رحمك اللَّه ؟ فقال قال أبو هريرة رضي اللَّه تعالى عنه : بعث العلاء بن الحضرمي في جيش ، كنت فيهم ، إلى البحرين فسلكنا مفازة فعطشنا عطشا شديدا حتى خفنا الهلاك ، فنزل العلاء وصلى ركعتين ثم قال : يا حليم يا عليم يا علي يا عظيم اسقنا ، فجاءت سحابة كأنها جناح طائر ، فقعقعت علينا وأمطرتنا حتى ملأنا الانية ، وسقينا الركاب ثم انطلقنا حتى أتينا على خليج من البحر ، ما خيض قبل ذلك اليوم ، ولا خيض بعده ، فلم نجد سفنا فصلى العلاء ركعتين ، ثم
--> « 1 » في الوفيات : « ويرى عروق نياطها في نحرها » . « 2 » في الوفيات : « اغفر لعبد تاب من فرطاته ما كان منه » . « 3 » وفيات الأعيان : 5 / 172 . « 4 » هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي ، أديب فقيه مالكي من أهل طرطوشة بشرقي الأندلس . مات سنة 502 ه - .