كمال الدين دميري

107

حياة الحيوان الكبرى

ثم أقبل على لذاته واختلى مع حبابة ، وأمر أن يحجب عن سمعه وبصره كل ما يكره ، فبينما هو على تلك الحالة في صفو عيشه وزيادة فرحه وسروره ، إذ تناولت حبابة حبة رمان ، وهي تضحك ، فغصت بها فماتت ، فاختل عقل يزيد ، وتكدر عيشه وذهب سروره ، ووجد عليها وجدا شديدا وتركها أياما ، لم يدفنها بل يقبلها ويرتشفها ، حتى أنتنت وجافت ، فأمر بدفنها ثم نبشها من قبرها ولم يعش بعدها إلا خمسة عشر يوما وكان مرضه بالسل وقال « 1 » فيها : فإن تسل عنك النفس أو تدع الهوى فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد وكلّ خليل زارني فهو قائل من أجلك هذا هالك اليوم أو غد « 2 » وسيأتي إن شاء اللَّه تعالى قريب من هذا في باب الدال المهملة في الدابة ، عن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ، وتوفي يزيد بن عبد الملك بإربل من أرض البلقاء وقيل بالجولان ، وحمل على أعناق الرجال إلى دمشق ، ودفن بين باب الجابية وباب الصغير وذلك لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة وله تسع وعشرون وقيل ثمان وثلاثون سنة وشهر وكانت خلافته أربع سنين وشهرا . خلافة هشام بن عبد الملك ثم قام بالأمر بعده أخوه هشام بن عبد الملك بن مروان . بويع له بالخلافة يوم مات أخوه يزيد بعهد منه إليه . ولما أتته الخلافة ، كان بالرصافة فسجد وسجد أصحابه ، لما بشر بها وسار إلى دمشق ، قال مصعب الزبيري : زعموا أن عبد الملك بن مروان رأى في منامه أنه بال في المحراب أربع مرات ، فدس من سأل سعيد بن المسيب ، وكان يعبر الرؤيا ، فقال : يملك من صلبه أربعة . فكان آخرهم هشاما انتهى . وكان هشام حازما عاقلا ، صاحب سياسة حسنة ، أبيض جميلا ، سمينا أحول ، يخضب بالسواد . وكان ذا رأي ودهاء وحزم وفيه حلم وقلة شره . وقام بالخلافة أتم قيام وكان يجمع الأموال ، ويوصف بالبخل والحرص ، يقال : إنه جمع من الأموال مالا ما جمعه خليفة قبله . فلما مات احتاط الوليد بن يزيد على تركته فما غسل وكفن ، إلا بالقرض والعارية وكان به حول . وتوفي بالرّصافة في شهر ربيع الآخر بدمشق سنة خمس وعشرين ومائة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة وقيل أربع وخمسين سنة . وكانت خلافته تسع عشرة سنة وتسعة أشهر وقيل عشرين عاما . خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهو السادس فخلع كما سيأتي ثم قام بالأمر بعده ابن أخيه الوليد بن يزيد الفاسق . كان أبوه حين احتضر عهد بالأمر إلى هشام أخيه بأن يكون العهد ، من بعده لولده الوليد بن يزيد . فلما مات هشام بويع له بالخلافة يوم موت عمه هشام وهو إذ ذاك بالبريّة فارا من عمه هشام لأنه كان بينه وبين عمه منافسة ،

--> « 1 » البيتان في العقد الفريد لكثير عزه : 6 / 62 . « 2 » في العقد : هذا هامة اليوم أو غد .