الحر العاملي

المقدّمة 5

هداية الأمة إلى أحكام الأئمة ( ع )

فيها ، وكان الصّفويّون - على ما ينقل - يعظَّمون علماء الدين ويحتضنونهم ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّ مناطق بلاد الشام مثل سوريا ولبنان ، كانت تعجّ بالتعصّب المذهبي والتناحر الطائفي ، لا سيّما وإنّ الخصومة بين الصفويّين والعثمانيّين الَّذين كانوا مسيطرين على أغلب البلاد العربيّة قد بلغت ذروتها حيث أشعلت أوار الاختلافات المذهبيّة ، ولذلك قبل ولادة الشّيخ رحمه اللَّه بخمسين سنة ( أي في سنة 966 ) استشهد واحد من أعاظم علماء الإماميّة ، وهو الشّهيد الثّاني ( رض ) الَّذي كان آية في علمه وصفاء نفسه . كلّ ذلك لعلَّه هو الَّذي أدّى بان يهاجر ابن الشهيد الثّاني وحفيده ( صاحب المدارك ) من لبنان إلى عراق كما أنّ علماء آخرين من أمثال المحقّق الكركي ، والشيخ البهائي ، قد هاجروا أيضا وسبقه في الهجرة عمّه الشيخ حسين الحرّ حيث توجّه إلى أصفهان . لقد أقام الشيخ الحرّ العاملي في مشهد وبذل عظيم جهده في الإفادة ، ونشر الحديث ( الَّذي كان يعتبر ذلك العصر هو العصر الذهبي لعلم الحديث ) . وقد تولَّى بعض المهامّ لكفاءته ومنها : عنوان شيخ الإسلام ، وقاضي القضاة . وفي أغلب الظنّ أنّه منح هذا المنصب باقتراح من العلَّامة المجلسي ( الَّذي كان زعيم علماء عصره ) وذلك بعد سفره إلى أصفهان ولقائه بالسّلطان ، لأنّ الشيخ طيلة إقامته في مشهد ، سافر مرّتين إلى الحجّ ، وفي إحدى سفراته مرّ بأصفهان الَّتي كانت آنذاك مركزا علميّا لإيران وعالم التشيّع ، وقد رحّب بقدومه العلَّامة المجلسي ، وعلماء آخرون ، وكرّموه وعظَّموه بما يليق بشأنه . وخلال سفرته هذه حصل على إجازة في الحديث حيث أجازه المجلسي ، والسيّد الجزائري ، والشيخ عليّ السبط ( 1 ) ، كما أنّ الشيخ أجاز العلَّامة المجلسي لدى زيارته إلى مشهد ( 1 ) . لقد كان الشيخ - رحمه اللَّه - آية في نصيبه الوافر وهمّته الخلَّاقة ، ورغم سفراته

--> ( 1 ) كان هناك تقليد شائع بين المحدّثين القدامى حول منح الإجازة والاستجازة في المرويّات عن الأئمّة المعصومين ( ع ) وذلك من أجل تحصيل الثّقة والاطمئنان . وبقي هذا التّقليد على حاله بعد تدوين مجامع الحديث وكثرة نسخها ، وأصبح رويّة يعمل به منذ القديم وحتّى الآن ، وأصبح يغلب عليه الطَّابع العرفي . ( 1 ) بحار الأنوار ج 110 .