الشيخ محمد السند
113
الحداثة ، العولمة ، الإرهاب في ميزان النهضة الحسينية
الجريمة لهو أرقى أنواع أدب الرثاء ، خصوصاً مع كون الحدث من البشاعة ما لا يمكن وصفه ، فإنّ فيه تهييج للمشاعر وتحريك للعواطف ، فهو تصوير حيّ للجريمة بأكملها ، وبهذا البيان وصف شاعر أهل البيت ( عليهم السلام ) فاجعة كربلاء : أفاطمُ لَو خلتِ الحسينَ مُجدّلاً * وقد ماتَ عَطشاناً بشطِّ فُراتِ ( 1 ) فالتصوير القرآني لأدب الرثاء والندبة الذي ذكر في سورة البروج خير دليل على أنّ الندبة والرثاء هو سنّة قرآنيّة راجحة ، أضف إلى ذلك كلّه ، فإنّ أساتذة التجويد - الجدد - قد وضعوا اُسلوباً خاصّاً لقراءة آيات الأحداث ، بحيث تُهيّج عواطف السامعين . وأصدق مورداً لما ذكرناه ، هو قراءة سورة يوسف ، فإنّها أكثر السور تأثيراً في المستمع ، لأنّها تحمل معالم المأساة الحقيقيّة التي تعرّض لها أحد أنبياء الله - وهو النبيّ يوسف ( عليه السلام ) - ومن أقرب الناس إليه - وهم إخوته فتصوّر لنا تسلسل الأحداث بجميع مقدّماتها ، وباُسلوب شجيّ ، فيُفتَتح ملفّ الجريمة مبتدءً من قوله تعالى : * ( لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ ) * ( 2 ) ، ثمّ في بيان رائع يتدرّج بذكر خطوات الجريمة متوالياً ، فيقول : * ( إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفي ضَلال مُّبِين * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ) * ( 3 ) . وما عرضه القرآن إلى الآن إنّما هو مخطّط الجريمة النظري ، ولكن يبقى تصويره لخطوات التنفيذ ، والذي ينمّ عن إحاطة دقيقة بجميع تفاصيلها ، فيقول تعالى واصفاً
--> ( 1 ) بحار الأنوار : 45 / 257 ، قصّة دعبل ودخوله على مولانا الإمام الرضا ( عليه السلام ) . ( 2 ) سورة يوسف : الآية 7 . ( 3 ) السورة المتقدّمة : الآيتان 8 و 9 .