الشيخ جعفر كاشف الغطاء
66
كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء ( ط . ج )
يستحيل على الحكيم أن يحيل إلى خلقه هذا الأمر العظيم ، الذي عليه مدار الأحكام ، وامتياز الحلال من الحرام ، وكشف حقائق الأشياء ، وتمييز تكاليف ربّ السماء ، مع أنّه لم يُحل إليهم شيئاً أمَرَ به من الواجبات ، بل ولا أقلّ شيء من المسنونات والمندوبات . مع أنّ في تلك الإحالة بعثاً على إثارة البغضاء ، وإقامة المنازعة الشديدة والشحناء ، كما يظهر من تتبع أحوال المهاجرين والأنصار حين فقدوا النبي المختار صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ، فكلّ يدّعي أنّه بالإمامة أولى ، وأنّ قَدْرَهُ من قدر غيره أعلى ، حتّى حصلت الفضيحة الكبرى ، وظهر حرص القوم على الدنيا وإعراضهم عن الأُخرى . على أنّه كيف يرضى ( 1 ) العقل لسيّد الكونين ، وخيرة ربّ العالمين ، المبعوث رحمةً للناس ، أن يوصي ببعض الأثاث والعروض واللباس ، ويبيّن موضع الدفن وكيفيّة الكفن ، ولا يوصي بما لو أُطيع به لارتفعت الفتن ، ويدع الخلق في هرج ومرج ، ولا يقيم لهم ما يصلح به العوج ! وحيث بطل طريق الاختيار تعيّنت إمامة الأئمّة الأطهار ، وعُلم أنّ الأئمّة هم اثنا عشر بانقراض أو شبه انقراض الطوائف الأُخر . وكذا يمكن إثبات ذلك بأوضح المسالك ، وذلك بما أوضحناه من وجوب العصمة في الإمام ، وذلك لا يُعرف لغيرنا من أهل الإسلام . على أنّ التأمّل في الوقائع السالفة ، والأحوال العارضة في عصر النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قرب الممات : كالتفكَّر في سرّ إبعادهم مع أُسامة وإبقاء عليّ عليه السلام ، مع أنّه يخبر بقرب الأجل . والتشديد على إنفاذ الجيش ( 2 ) ، وسرّ العزل عن الصلاة ( 3 ) ، وسرّ الغوغاء في الرقعة والدواة ، وشدّة الامتناع عنها ( 4 ) ، وشدّة العناية في يوم الغدير مع شدّة
--> ( 1 ) في « س » : يرى . ( 2 ) الطبقات الكبرى 1 : 521 ، الاستغاثة : 53 ، الملل والنحل للشهرستاني 1 : 23 ، سيرة المصطفى : 705 . ( 3 ) المسترشد في الإمامة : 113 ، 116 ، وفيه : صلَّى بالناس وأخّر أبا بكر ، حقّ اليقين للشبر 1 : 214 . ( 4 ) مسند أحمد 3 : 346 ، الطرائف : 431 .