المامقاني
443
غاية الآمال ( ط . ق )
لمن حاز الحبات ولو كانت الحبات قد نبتت بالغيث فإن أعرض عنها المالك بعد النبات وصيرورتها ما لا فهو لن حازه وربّاه لا لصاحب الأرض وان كان هو يستحق أجرة الأرض في صورة نباتها بالغيث ونحوه لا بعمل عامل ويحتمل ان يقال إن الزرع يصير لصاحب الأرض ولو كان مالكا لمنفعتها وعلى هذا الاحتمال ان كانت الأرض ملك صاحب البذر كان الزرع ملكا له وان كانت ملك غيره كان الزرع ملكا للغير وكان تعب المربي بلا ثمر ثم استظهر الاحتمال الأول وهو انّه مال مالك الحب الا ان يعرض عنه بعد ذلك فيكون ملكا لمن جازه بعد ذلك والأحوط الرجوع إلى الصّلح ثم قال وان شئت مأخذ المسئلة فاعلم أن المالك إذا لم يعرض عن الحبوب فالزرع مال صاحب البذر وامّا لو أعرض فليس لصاحب البذر بل هو خارج عن ملكه ( حينئذ ) ولم اعتمد فيما اخترته من خروجه عن ملكه على أن مجرد الاعراض يدلّ على الخروج عن الملكية حتى يقابل بالمنع وان الملك كما يحتاج في ثبوته إلى سبب شرعي فالخروج عنه أيضا محتاج إلى ناقل شرعي ولم يثبت من الشرع كون نية الخروج من موجبات نقل الملك فان ذلك لا يتم في كثير من المواضع التي يكون المعرض عنه شيئا خطير أو ان كان القول به موجودا ( مطلقا ) وفي خصوص بعض المسائل مثل ما لو أطلق الصّيد بعد التملك وقصد الخروج عن التملك فإنهم اختلفوا فيه فالأكثر على عدم الخروج كما في المسالك وذهب بعضهم إلى الخروج ونسبه في الكفاية إلى الأكثر ويتفرّع عليه جواز اصطياده للغير بقصد التملك وعدمه ثم على القول بعدم الخروج اختلفوا في انّه يباح التصرف فيه على غير جهة التملك أم لا أيضا بل اعتمادي في المسئلة على أنه ثبت من الشارع الرخصة في مثل ما نحن فيه وهذه الرخصة يمكن أن تكون من باب شاهد الحال عن المالك ويمكن أن تكون من جانب اللَّه بالاستقلال كاثبات سائر الحقوق المالية في أموال الناس وتردد الأمر بين ذينك الأمرين في المسائل الشرعية غير عزيز فمنها إثبات حق الشرب والتوضي في المياه المملوكة فإنه يظهر من بعض الأصحاب انّه من باب شاهد الحال ومن بعضهم انه حق أثبت اللَّه تعالى لعباده في مال عباده فإذا تردد الأمر بينهما فالأصل يقتضي الحمل على الأخير اما ثبوت الرخصة من الشارع فلثبوت الإجماع عليه بملاحظة عمل الناس في كل عصر ومصر من التقاط السنابل بعد الاعراض من الصّلحاء المتدينين وغيرهم ولم ينكر عليهم أحد من العلماء في جميع الأعصار والأمصار و ( كذلك ) التقاط جلات البعير والأغنام في المفاوز والصحاري واما ان الأصل حمل ذلك على أنه إباحة من اللَّه في مال عبادة ( فالظاهر ) الإجماع عليه ( أيضا ) إذ الملتقطون للسنابل وجلات الحيوانات في كل عصر ومصر يبيعون هذه الأشياء ويشترى المسلمون منهم من العلماء والصالحين وغيرهم ويجرون فيها أحكام البيع والشراء ولو لم تصر تلك الأشياء ملكا لملتقطها لم يصحّ البيع إذ لا بيع إلا في ملك سواء كان بالأصالة أو بالنيابة عنه أو بالإجازة عنه فإذا كان الاعراض عن المالك بمنزلة الإباحة المحضة لا يفيد ذلك من المالك إلا الرخصة في التصرف ولا يفيد التمليك كما صرحوا به في نثار العرس وصحة البيع مشروط بالتمليك أو بالإجازة عن المالك والمفروض عدم التمليك والنيابة أيضا غير متحققه بالفرض إذ هم يبيعون لأنفسهم وامّا الإجازة فهو موقوف على اطلاع المالك على البيع وإمضائه وهو لا يمكن الا بعد اطلاعه على وقت البيع ليعقبه بالإجازة ومجرد المعرفة من حاله الشهادة الحال انه لو اطلع على البيع لأمضاه لأنت يكفي فيه مجرد الرضا إذ لو كان محض الرضا كافيا في انعقاد العقود لتحقق عقد النكاح فيما بين رجل وامرأة يحب كل منهما الأخر ويتمنى كل منهما أن يكون زوجا للآخر و ( كذلك ) البيع وغيره من المعاملات ولم يقل به أحد والقائلون بصحة المعاطاة بل ولزومه ( أيضا ) لا يقون بعدم الاحتياج إلى الإنشاء غاية الأمر انهم لا يقولون بلزومهم الإنشاء الخاص بالصيغة المخصوصة أو بمطلق اللفظ مع أن الإجازة انما تنفع في نقل الملك عن البائع وانتقال الثمن إليه وفيما نحن فيه ليس ( كذلك ) إذ معنى شاهد الحال والإباحة انما هو الرضا بمعاملة الملتقط لنفسه فان قلت هذا ليس بيعا بل هو نوع إباحة في صورة المبايعة فالمالك يرضى بان يعطى الملتقط المذكورات المشترى ويأخذ الثمن ويصرفه ولو اطلع على البيع وأراد ان يأخذ الثمن من الملتقط جاز له أخذه قلت هذا إنكار لما استمر عليه الأعصار والأمصار فإنهم يعاملون معاملة البيع الصحيح مع الملتقطين مع علمهم بأنهم ليسوا بمالكي الانعام بل انما يلتقطون الجلات الملتقاة من أموال الناس في الصحاري وهكذا يلتقطون السنابل وأمثالها فعلم من جميع ذلك ان اللَّه أباح المذكورات لعباده بعد إعراض أصحابها عنها فعلى هذا يكون سبيلها سبيل سائر المباحات التي يحصل الملك فيها بالحيازة بقصد التملك وان قلت نعم ولكن استصحاب الملك يقتضي بقاء حق المالك فيه ما دام باقيا قلت بعد ما ذكرته من الدليل لا يبقى معنى للاستصحاب إذا الاستصحاب ( صح ) لا يعارض الدليل مع أنه يمكن ان يقال إن مناط حجية الاستصحاب انما هو إلحاق الظن بالأعم الأغلب ولما كان الموضوعات مختلفة في قابلية البقاء على مجرى عادة اللَّه فيختلف زمان استصحابها بمقتضى استعداد موادها فيجري حكم الاستصحاب في كل فرد من افراد الموضوع على وفق ما ثبت استعداد هذا النوع للقدر المعين من البقاء واستدامة ملكية مثل هذا المال لم يثبت في الشرع في موارد حتى يقيس عليها ما نحن فيه إلحاقا بالأغلب مع أنه يمكن ان يقال إن في مثل الحبوب التي دخلت من باب الاتفاق بسبب تصاكك السنابل والانطلاق في شقوق الأرض وثقبها انها ليست بمال حتى يقال إن ملكية هذا المال مستصحب هذا كلامه ( رحمه الله ) ومحصله التمسك بالسيرة في الأشياء المحقّرة مما ذكره ومما لم يذكره كنوى التمر وقشور البطيخ والجوز وللوز والبندق وأمثال ذلك ثم أشار ( رحمه الله ) إلى دليل ثان للدعوى المذكورة بقوله ويدل على ما ذكرنا ( أيضا ) ان من البعيد من حكمة اللَّه ورأفته ترخيص عبده الضعيف في جمع السنابل والحبوب في غاية المحنة واللغوب من الصبح إلى الليل وكذلك جلات الحيوانات ثم تسليط المالك على أن يأخذ منه مجانا ثم إنه ( رحمه الله ) أخذ في تعميم الدعوى بالنسبة إلى غير المحقرات ( مطلقا ) خصوصا فيما إذا كان الاعراض عنها مع الياس فقال على أن لنا ان نعتمد على أن الاعراض عن الملك يفيد الخروج عنه ( أيضا ) سيّما إذا كان الاعراض من جهة اليأس لا عدم المالية بل مع الثبوت في صورة اليأس مع تحقق المالية العظيمة يثبت في صورة الإعراض لأجل الحقارة بطريق أولى ووجه الاستدلال ان الأصحاب ذكروا في مسئلة البعير التي بقيت في فلات لأجل كلالة انه يملكه الأخذ واستدلوا عليه بصحيحة عبد اللَّه بن سنان ويقرب منها غيرها من الاخبار فإن هذه الصحيحة وما في معناها تدلّ على أن أعراض