المامقاني

390

غاية الآمال ( ط . ق )

قال ( رحمه الله ) قد يقال بتصوّر حكم الفضولي من الإنسان نفسه كما لو عقد بقصد إرادة نفس العقد مصرحا بتأخير الرّضا إلى ما بعد ذلك إذ دلالة العقد على الرّضا انّما هي ظاهرية ويجوز تخلفها كما في المكره وبيع التلجئة الذي قد عرفته سابقا ونحوهما والفرض عدم شرطية المقارنة ودعوى اللزوم عقلا بين قصد العقد وبين الرّضا يدفعها ما عرفت وبالجملة لو قصد بذكر العقد نحو ما قصده المكره إذ لا مدخلية للإكراه في إيجاد نفس القصد وقد عرفت فيما تقدم جريان حكم الفضولي على المكره فإذا أجاز بعد ذلك صحّ العقد فلا مانع من جريان حكمه ( أيضا ) في الفرض بعد التصريح بالحال ولعلّ من ذلك بيع التلجئة ونحوه ممّا قصد به التواطي على إيقاع الصّورة دون الحقيقة فإذا أجيز بعد ذلك حكم بصحته نعم لو قيل انّ الوجه في صحّة الفضولي قيام رضاه المقارن للعقد مقام رضا المالك بعد الإجازة اتجه عدم الصحة فيما نحن فيه لعدم المقارنة للعقد لكن ينافيه حكمهم بجريان حكم الفضولي على المكره المعلوم عدم الرّضا المقارن فيه ودعوى الاكتفاء بمقارنة رضا الَّذي أكرهه كما ترى لا يقال انّه قد تقدم منّا سابقا المناقشة في جريان حكم الفضولي على عقد المكره باعتبار فقده القصد الَّذي يظهر من الأدلَّة اعتبار مقارنته للعقد وهو غير الرّضا لأنا نقول أوّلا ان الكلام هنا مبنى على ما هو المشهور عندهم من جريان حكم الفضولي عليه وثانيا انّ المكره لا يعتبر فيه عدم قصد العقد بل يقع على وجهين أحدهما لا يقصد الَّا اللفظ وثانيهما يقصد معه العقد به لكنه غير راض به وهما معا مشتركان في عدم ترتب أثار العقد عليه وان افترقا بالصّحة وعدمها مع تعقب الإجازة فيصحّ الثاني دون الأوّل ولعلّ ذلك هو المراد من المحكىّ عن الشهيد ( رحمه الله ) من إلحاق المكره على وجه يرتفع قصده أصلا بالغافل والهازل والنائم ونحوهم في عدم تأثير الرّضا اللاحق في صحته بخلاف المكره الذي لم يكن ( كذلك ) وان ناقشه بعضهم بعدم تحقق الإكراه بالمعنى المزبور ضرورة كونه حمل المكره للمكره على الفعل خوفا على نفسه أو ما في حكمها مع حضور عقله وتمييزه والإكراه الذي يرتفع القصد معه لا يتحقق في اللسان فإنّه غير مقدور للمكره لكن قد يدفعها ما أشرنا إليه من تصوّر وقوع الفعل على الوجهين من المكره على أصل الفعل فتارة يرفع الخوف عنه بقصد مجرّد اللفظ دون مدلوله فيقع منه نحو ما يقع من النائم وأخرى بقصد المعنى الَّا انّه غير راض به وليس ذلك من تأثير الإكراه كي يشكل بما عرفت بل من عمل المكره الَّذي يمكن تصوّر وقوع ذلك منه من دون إكراه ولعلّ بيع التلجئة ونحوه من الثاني فتؤثر فيه الإجازة بل هو أولى ممّا سمعته من بعضهم من التزام تأثيرها في عبارة الهازل ونحوها بل أولى من التزام تأثيرها في عبارة المكره الفاقد للقصد بدعوى جواز تأخيره عن العقد كالرّضا وان كان فيه ما فيه والتحقيق ما عرفت فتأمّل جيدا انتهى ولا يخفى انّ الصغرى في بيع التلجئة متحققة ونظيره بيع المكره ولكن تحققها في غيرهما بعيد وعلى فرض تحققها ليس الحكم الَّا ما أفاده ( رحمه الله ) الثانية انّه ذكر الشيخ الفقيه المحقق جعفر الغروي ( رحمه الله ) في شرح القواعد انّ من إجازة الفضولي ما هو صحيح ولكنّه غير متصف بكونه كاشفا ولا بكونه ناقلا مثل الإجازة اللاحقة لبيع الصّرف أو السّلم الواقع فضولا قبل تحقق القبض فإنّها صحيحة مؤثرة وليست بكاشفة ولا ناقلة الثاني قوله وقد ورد فيمن زوجت نفسها في حال السّكر انها إذا أقامت معه بعد ما أفاقت فذلك رضى منها أشار ( رحمه الله ) بذلك إلى صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال سئلت أبا الحسن ( عليه السلام ) عن امرأة ابتليت بشرب النبيذ فسكرت فزوجت نفسها رجلا في سكرها ثم أفاقت فأنكرت ذلك ثمّ ظنت انّه يلزمها ففزعت منه فأقامت مع الرّجل على ذلك التزويج ا حلال هو لها أم التزويج فاسد لمكان السّكر ولا سبيل للزوج عليها قال ( عليه السلام ) إذا قامت معه بعد ما أفاقت فهو رضا منها قلت ويجوز ذلك التزويج عليها قال نعم والمراد بالإنكار في السؤال الوحشة ممّا فعلته لا عدم الرّضا ولا جحد وقوع العقد منها بدلالة ما ذكره بعد ذلك من قوله ثم ظنت انّه يلزمها ففزعت منه قامت ولا ضير في قوله ثم ظنت ( انتهى ) لانّه من الدواعي لحصول الرّضا وهو ظاهر قوله مضافا إلى ما ورد في عدة اخبار من انّ السّكوت المولى بعد علمه بتزويج عبده إقرار منه له عليه منها صحيحة ابن وهب جاء رجل إلى أبى عبد اللَّه ( عليه السلام ) فقال إنّي كنت مملوكا لقوم وإنّي تزوجت امرأة حرة بغير إذن مولاي ثمّ أعتقوني بعد ذلك فأجدد نكاحي إياها حين أعتقت فقال أكانوا علموا انّك تزوّجت امرأة وأنت مملوك لهم فقال نعم وسكتوا عنّى ولم يغيروا على فقال سكوتهم عنك بعد علمهم إقرار منهم أنت على نكاحك الأوّل قوله وما دلّ على انّ قول المولى لعبده المتزوج بغير أذنه طلق يدلّ على الرّضا بالنكاح فيصير إجازة أشار ( رحمه الله ) بذلك إلى رواية علي بن جعفر ( عليه السلام ) عن أخيه موسى بن جعفر ( عليه السلام ) عن أبيه عن آبائه عن علي ( عليه السلام ) انّه أتاه رجل بعبده فقال انّ عبدي تزوج بغير أذني فقال له على ( عليه السلام ) لسيّده فرق بينهما فقال السيّد لعبده يا عدو اللَّه طلق فقال له على ( عليه السلام ) كيف قلت له قال قلت له طلق فقال على ( عليه السلام ) للعبد امّا الآن فإن شئت فطلق وان شئت فأمسك فقال السيّد يا أمير المؤمنين أمر كان بيدي فجعلته بيد غيري قال ذلك لأنّك حين قلت له طلق أقررت له بالنكاح قوله وما دلّ على انّ التصرّف من ذي الخيار رضى منه مثل ما رواه علي بن رأب عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) قال ( عليه السلام ) الشرط في الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري اشترط أم لم يشترط فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثا قبل الثلاثة الأيام فذلك رضى منه فلا شرط له قيل وما الحدث قال انّ لامس أو قبل أو نظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء الحديث ووجه الدلالة ظاهر فانّ قوله ( عليه السلام ) فذلك رضى منه فلا شرط له يعطى قضية كلَّية كبرى وهي انّ مناط لزوم العقد انّما هو الرّضا حتى انّه إذا صار الأحداث فرضا اندرج تحت تلك الكبرى الكلَّية وسقط شرطه الَّذي هو عبارة عن الخيار فافهم الثالث قوله انّ الإجازة انّما يجعل المجيز أحد طرفي العقد والَّا لم يكن مكلَّفا بالوفاء بالعقد إلى قوله فتأمّل ذكر ( رحمه الله ) بعد الإجماع وجهين أحدهما ما أفاد بصدر العبارة ولكن قد يناقش فيه مع قطع النظر عن ثبوت الحكم بالإجماع بأنّ جعل الإجازة المجيز أحد طرفي العقد امّا موجبا أو قابلا لا يتحقق الا باعتبار جعلها الإيجاب الصادر من الفضولي إيجابا للمالك لو جعلها القبول الصادر من الفضولي قبولا له ومن المعلوم انّه ( حينئذ ) لا يتخلل الرّد من المالك بين الإيجاب والقبول ضرورة وقوعهما سابقا على الإجازة والرّد وانّما لزم تخلَّل الرّد منه بين الإيجاب وبين ما جعل الإيجاب إيجابا له وكذا بين القبول وبين ما جعل القبول مضافا إليه و ( حينئذ ) لا يبقى وجه لقوله وقد تقرر انّ من شروط الصيغة ان لا يحصل بين طرفي العقد ما يسقطهما عن صدق العقد الذي هو في معنى المعاهدة ضرورة انّ المراد بطرفي العقد فيه انّما هما الإيجاب والقبول ولو تنزلنا عن ذلك إلى انّ جعل الإجازة