المامقاني
266
غاية الآمال ( ط . ق )
الشروط الثلاثة المذكورة عن غيرها وهو فساد العقد بوقوع الاختلاف فيها بين المتعاقدين من اعتبار شيء منها وعدمه ولا بد من أن يكون ناهضا بإفادة الفرق بينها وبين غيرها مما ذكر من الصّراحة والعربيّة والماضويّة والتّرتيب بين الإيجاب والقبول ولكن يتجه عليه بحسب ( الظاهر ) انه غير واف بذلك لان غير الثلاثة أيضا يجري فيه هذا التعليل وذلك لان لقائل أن يقول إن الموجب إذا أتى بالإيجاب بصيغة المضارع باعتقاد مشروعية ذلك لم يجز من القائل ببطلان هذا تعقيب هذا الإيجاب بالقبول ولكنه بعد التأمّل في مقابلة هذا الكلام بقوله هذا إذا كان بطلان العقد عند كل من المتخالفين مستندا إلى فعل الأخر كالصّراحة ( انتهى ) يظهر حقيقة مراده على وجه يتضح به الفرق بين قسمي الشروط وبيان ذلك أنه إذا أوجب الموجب بصيغة المضارع مثلا وأتى القائل بالقبول بصيغة الماضي فقد وقع العقد بجزئيه أعني الإيجاب والقبول ولو فرض فيه بطلان عند القابل لم يكن الا من جهة فعل الموجب وهو إيجابه بصيغة المضارع والا فليس في فعل القابل خرازة أصلا لعدم كونه بنفسه فاقد الشرط معتبر فيه نعم يصح انتزاع صفة للقبول باعتبار متعلَّقة الذي هو مصاحبه وملابسه عنى الإيجاب ( فيقال ) على مذهب القابل ان هذا القبول فاسد الإيجاب كما هو الشأن في كل من أمرين لأحدهما ملابسة بالنّسبة إلى الأخر ( فيقال ) في شأن زيد اللئيم إذا كان أخوه كريما زيد كريم الأخ لكن مثل ذلك ليس من قبيل الأوصاف الأصلية الثابتة للموصوف من حيث هو ومعيار الفرق في هذا المقام انما هو الوصف الأصلي ففي القسم الأوّل الذي منه مثال الإيجاب بصيغة المضارع لا يثبت عند القابل للعقد فساد الا من جهة الإيجاب ولا يثبت للقبول من حيث هو وصف الفساد وان ثبتت له الصّفة المنتزعة باعتبار متعلقة التي لا عبرة بها وهذا بخلاف القسم الثاني فإن انتفاء كل من افراده الثلاثة يوجب انتفاء وصف أصلي من العقد الَّذي أحد جزئية القبول فلا يجوز للقابل مثلا تعقيب الإيجاب بقبوله لذلك فهو ( رحمه الله ) وان لم يصرح بان عدم جواز تعقيب القابل للإيجاب المذكور بالقبول انما هو لفوات الوصف لكن لما صرّح في القسم الأوّل بأنه ليس هناك عند القابل مثلا وجه فساد في العقد سوى فعل الموجب الَّذي لا يحصل منه سوى الوصف المنتزع علم أن القسم الثاني لا بد فيه من وجه فساد ليس على حدّ وجه الفساد في الأوّل بأن ينتفي عنه وصف أصلي هذا هو القول على وجه كلى وامّا بيان كون انتفاء كل من الافراد موجبا لانتفاء الوصف فهو ان الموالاة لا يتحقق لها بحسب ملاحظة مادتها وهيئتها معنى الا بين الاثنين فهي صفة معتبرة بين الإيجاب والقبول يتصفان هما بها فبإنتفائها يزول من كل من الإيجاب والقبول وصف أصلي وليس من قبيل ما كان بطلان العقد عند واحد منهما مستندا إلى فعل الأخر لفوات وصف من العقد ومن كلّ من الإيجاب والقبول بفوات الموالاة عند القائل باعتبارها في العقد وامّا التنجيز فإنّه وان لم يكن بصيغته مفيد المعنى يجرى بين الاثنين كالموالاة الا انّ التّعليق في أحد الطرفين من الإيجاب والقبول يسرى إلى تمام العقد لكونه أمرا معنويّا يتغير به المعنى وليس كالأوصاف اللفظية الَّتي لا تسرى من أحدهما إلى الأخر كالماضوية المتصف بها الإيجاب مثلا فإنها لا تسرى إلى القبول الذي لم يتبع بصيغة الماضي بخلاف التعليق فإنّه يسرى إلى صاحبه والى تمام العقد مثلا لو قال الموجب ان جاء زيد يوم الجمعة فقد بعتك كذا بكذا وقال صاحبه قبلت البيع فان القبول يصير قبولا متزلزلا لأنه قبول بيع معلَّق على مجيء زيد يوم الجمعة فمع انتفاء مجيئه ينتفي الإيجاب وكذا القبول فلا إيجاب ولا قبول وبهذا الاعتبار يصير مجموع العقد أعني المفهوم المحصل من الإيجاب والقبول المعبر عنهما بالعقد متزلزلا وبعبارة أخرى هذه المعاقدة والمعاهدة الخاصة متزلزلة وعند انتفاء المعلق عليه تنتفي المعاهدة الخاصة ولا استبعاد في سراية بعض الأوصاف من أحد المتصاحبين إلى الأخر لأن ذلك مما بعزّ وجوده فان حلاوة السّكر تسرى إلى الماء عند مصاحبته له والنجاسة تسرى من المتنجس إلى ملاقيه كما تسرى من الجزء الملاقي إلى الكل وامّا بقاء المتعاقدين على صفة صحة الإنشاء فالأمر فيه أوضح ( مطلقا ) عند ( المصنف ) ( رحمه الله ) حيث إنه يرى أن العقد متصف بصفة الوحدانيّة بمعنى ان كونهما متصفين بصفة صحة الإنشاء من أوّل الإيجاب إلى أخر القبول شرط في صحّة العقد بتمامه فإذا خرج أحد المتعاقدين عن صفة صحّة الإنشاء فقد انتفى ما هو شرط في تمام العقد وانتفى بانتفاء شرطه بل لا يتحقق للمعاقدة والمعاهدة معنى عند انتفاء البقاء على صفة صحة الإنشاء عند القائل باعتباره على ما عرفت من البيان في كلامه وان كان هذا الوجه لا يجرى عندنا ( مطلقا ) بل في بعض الشروط كما عرفت البيان من كلامنا فتدبر قوله ( رحمه الله ) فتأمل ( الظاهر ) انه إشارة إلى توهين ما ذكره من الفرق بين القسمين وذلك لان الموالاة وان كانت بصيغة المفاعلة الا انّها من حيث اعتبارها بين التدريجيات ليس معناها بحسب التدقيق والتحقيق إلَّا عبارة عن لحوق المتأخر بالمتقدّم واتصاله به ضرورة انه ليس للمتقدم خصوصا بعد وجوده حالة يصحّ معها اسناد الاتصال إليه فإذا فرض ان زيدا جاء وجاء بعده عمر وبلا مهلة ووصف مجيئهما بالموالاة لم يكن معناه الا ان عمرو الحق زيدا بلا مهلة إذ ليس لزيد فعل اختياري في اتصال مجيئه بمجيء زيد ففي الحقيقة لا يبقى للمتقدّم الا وصف منتزع من لحوق المتأخر به بلا مهلة وامّا التنجيز فنقول فيه ان ما ذكر في توجيه الفرق بينه وبين القسم الأوّل من كون التّعليق يسرى إلى صاحبه وكذا إلى مجموع العقد حق في الجملة إلا أن السّاري ليس هو عين ذلك الوصف الحقيقي وانما الساري أمر منتزع عند التدقيق وليس متأصلا وان شئت توضيح ذلك فانظر إلى المثال الذي تقدّم ذكره بعين البصيرة والاعتبار وهو ما لو قال الموجب ان جاء زيد يوم الجمعة فقد بعتك كذا بكذا فقبل القابل ذلك البيع بخصوصه فانّ القبول منجز لكنه قبول إيجاب معلَّق والقبول المنجز المتعلق بالإيجاب المعلق لا يصير بسبب تعلقه به معلقا حقيقة وانما يصير معلقا على الحقيقة لو علق نفس القبول فقال ان جاء زيد قبلت وعلى هذا فلو قبل ان القبول معلق فمعناه ان في الإيجاب تعليقا فإذا تحقق المعلق عليه تحقق الإيجاب وإذا تحقق تحقق قبوله المتعلق به والا فعند التحقيق قبول البيع المعلق على مجيء زيد يوم الجمعة ليس معلقا في الحقيقة ومن هنا علم أن ما نحن فيه ليس من قبيل الماء المخلوط بالسّكر والماء الملاقي للماء المتنجس وامّا البقاء على صفة صحّة