المامقاني
176
غاية الآمال ( ط . ق )
انتقال العين ( انتهى ) ورده الشّهيد ( رحمه الله ) في بعض تحقيقاته إلى الأول نظرا إلى أن الصّيغة المخصوصة سبب في الانتقال فأطلق اسم المسبّب على السّبب وعرّف المغيى بالغاية وفيه نظر لأنّ الإطلاق المذكور مجازي يجب الاحتراز عنه في التّعريفات الكاشفة للمهية الا مع قيام قرينة واضحة وهو منتف وامّا التّعريف بالغاية بهذا المعنى فغير جائز لأن حملها على المغيّا حمل المواطاة أعني حمل هو هو والغاية ممّا لا يصحّ حملها عليه ( كذلك ) وانما يدخل الغاية في التّعريفات على معنى أخذ لفظ يمكن حمله على المعرف مشير إلى الغاية وغيرها من العلل الَّتي لا يصحّ عليه حمل المواطاة وهو هنا منتف انتهى أقول يرد على الشّهيد ( رحمه الله ) مضافا إلى ما أورده عليه ثاني الشّهيدين ( قدس سره ) ان اللازم أحد الأمرين من إطلاق اسم المسبّب على السّبب وتعريف المغيّا بالغاية لأنه إذا أطلق اسم المسبّب على السّبب صار اللفظ مجاز أريد به خلاف معناه الموضوع له والتعريف انّما هو لذلك المعنى المجازي فلا يكون التّعريف الَّا له و ( حينئذ ) يكون التّعريف بما يساويه الا أن تكون النسخة مغلطة ويكون عطف تعريف المغيّا بأو دون الواو أو يتكلف بان الواو بمعنى أو ويرد على ثاني الشّهيدين ( قدس سره ) ان المجاز هنا انّما هو في المعروف دون التعريف فلا ينطبق عليه قوله يجب الاحتراز عنه في التعريفات الكاشفة للمهية ( انتهى ) ويرد على ( المصنف ) ( قدس سره ) ان ما ذكر وبقوله و ( الظاهر ) ان المسبّب هو الأثر الحاصل إلى أخر ما أفاده بما حاصله ان المسبّب هو النقل بمعنى اسم المصدر توجيه بما لا يرضى به صاحبه لانّه قد وقع التصريح في كلام الشّهيد ( رحمه الله ) بأنّ الأثر هو الانتقال وكلام ثاني الشّهيدين أيضا مبنى على ذلك و ( المصنف ) ( رحمه الله ) استظهر أن الأثر الحاصل من العقد انّما هو النّقل الَّذي هو اسم المصدر ويمكن دفعه بان قوله ( رحمه الله ) ذلك مسوق للإيراد ودفع ما وقع في كلام الشّهيدين من كون الأثر عبارة عن الانتقال لكن يأبى عنه قوله لا النقل الحاصل من فعل الموجب لأنه كان اللازم على ما ذكر في الدّفع ان يقول بدله لا الانتقال لأنه لم يوضع له لفظه ويمكن التّوجيه بان قوله لا النقل الحاصل من فعل الموجب إشارة إلى دفع التوهّم المحتمل في المقام لا إلى دفع شيء مذكور في كلامهما واكتفى في دفع ما ذكر في كلامهما بإثبات أن المسبّب انّما هو الأثر الَّذي هو اسم المصدر فتأمّل ثمّ انه يظهر من عبارة المصباح التي ذكرناها في صدر المبحث وجه أخر وهو ان السّبب عبارة عن الإيجاب والقبول والمسبّب عبارة عن مدلوليهما لأنه قال لكنه أطلق على العقد مجازا لأنه سبب التمليك والتملَّك ويمكن ان يتكلَّف بإرجاعه إلى ما ذكره ( المصنف ) ( رحمه الله ) بان ( يقال ) انه أراد بالتّمليك والتّملك ذلك النقل المعبّر عنه باسم المصدر فضاق عليه المجال في التعبير فعبّر بما ترى هذا واعلم أنه قال بعض من تأخر ان هذا يعنى اعتبار علاقة السّببيّة والمسبّبية انما يتم على القول بكون البيع حقيقة في المعاملة القائمة بالطرفين الَّتي هي معنى الإيجاب والقبول أو القول بكونه اسما للصّحيح دون الأعمّ امّا على الأوّل فسببية العقد له معلوم لانّه مدلول والمدلول مسبّب عن الدّال في مقام الافهام وامّا على الثاني فلانّ البيع إذا كان معناه النقل الصّحيح كان ذلك المعنى في الحقيقة مقيّدا بالقبول لان ذلك مما لا يتم الصحّة إلا به ضرورة انها عبارة عن ترتب الأثر ولا يعقل تحققه الا بانضمام القبول وسببية العقد لمثل هذا النقل واضحة وامّا على التحقيق من كون البيع موضوعا لمجرد النقل فلا يتم ما ذكر لأن العقد ليس سببا له لحصوله قبل تماما بنفس الإيجاب وانّما هو سبب للأثر الحاصل وهو انتقال العين ومن البين أن العلاقة من السّببيّة وغيرها انما يلاحظ بين المعنى المجازي المقصود وبين المعنى الحقيقي دون معنى مجازي أخر فإذا لم يكن العقد سببا للمعنى الحقيقي للفظ البيع وهو النقل فكيف يصحّ استعمال لفظه فيه وأنت خبير بضعف ما أنكره من المبنى لان ثبوت كون البيع موضوعا لمجرّد النّقل لا ينفى وضعه لمعنى أخر وهو النّقل الَّذي هو اسم المصدر وقد أثبته ( المصنف ) ( رحمه الله ) مضافا إلى النقل الَّذي هو معنى الإيجاب حيث قال والحاصل ان البيع الَّذي يجعلونه من العقود يراد به النّقل بمعنى اسم المصدر بعد ما ذكر ان جميع ما ورد في النّصوص والفتاوى ناظر إلى ذلك والإنصاف ان المتبادر من لفظ البيع هو ما أثبته ( رحمه الله ) فتدبّر قوله وظاهره إرادة الإطلاق الحقيقي ( انتهى ) قال بعض من تأخر بعد ما ذكر كلام الشّهيدين ( قدس سرهما ) انهما ان أراد ان ( الشارع ) نقلها عن المعنى اللَّغوي إلى معانيها الصحيحة فصارت حقائق شرعيّة فيها فهو في غاية البعد ومع ذلك يوجب عدم جواز التمسّك بإطلاق مثل قوله ( تعالى ) : « أَحَلَّ الله الْبَيْعَ » وغيره من إطلاقات العقود الواردة والكتاب والسنة عند الشكّ في اعتبار شيء فيها مع أن سيرة علماء الإسلام قد استقرت على التمسّك بها وان أراد أنها حقائق في الصّحيحة عند أهل العرف ( فحينئذ ) يستكشف بما هو صحيح عندهم عمّا هو صحيح في الواقع عند ( الشارع ) الا فيما نبه ( الشارع ) على خطائهم وكون الصّحيح عنده غير ما هو صحيح عندهم ولا يكون هذا الا فيما وجد دليل يدل عليه فيصحّ التمسّك بالإطلاقات الواردة في الكتاب والسنة في إثبات صحّة ما شك في اشتراط شيء فيه لورودها على طبق المتعارف ففيه أولا ان الطريقة الَّتي استقر عليها بناء أهل العرف انما تعتبر في المفاهيم الكليّة دون تمييز المصاديق التي يبنى عليه التمسّك بالإطلاقات على هذا التقدير وثانيا انه لو كان معنى البيع هو الصّحيح ولو في أنظارهم لحصل الانتقال بمجرّد الإيجاب ولم تكن حاجة إلى القبول وهو واضح الفساد وأقول يمكن المناقشة فيما ذكره من الوجهين امّا الأوّل فلان أنظار أهل العرف وان لم تكن معتبرة في تمييز المصاديق والموارد في غير المقام الا انّه يمكن ان ( يقال ) ان هذا المقام لا يقاس بغيره من المقامات ضرورة ان البيع ونحوه من العقود انما هي من قبيل ما كان متقررا بين النّاس ثابتا عندهم وقد أمضاها ( الشارع ) غاية ما في الباب انه زاد على ما كان متقررا عندهم شروطا ومعلوم انّ اللَّازم ( حينئذ ) اتباع ما علم منه من الشرائط الثابتة وترك ما لم يثبت فيؤخذ بما عندهم ووجه الأخذة علمنا بان ( الشارع ) قد أمضاه وامّا الثاني فلانّ الواقع في عبارة الشّهيدين ( قدس سرهما ) انما هو لفظ العقد والعقود وان الإقرار في كلام الشّهيد الثاني عبارة عن الاخبار عن إيقاع عقد البيع وعلى هذا فلا مساس لحصول الانتقال بمجرّد الإيجاب بذلك قوله فتأمّل فإن للكلام محلَّا أخر ( الظاهر ) ان الأمر بالتّأمّل إشارة إلى أن كلام الشّهيدين ناظر إلى ما هو المتداول الآن فيما بين المتشرعين خصوصا كلام الشّهيد الثاني وما هي حقيقة فيه في عرف هذا الزّمان