المامقاني

248

غاية الآمال ( ط . ق )

الَّذي هو القبول بغير صيغة الأمر دون ما هو الفرد الأخر للمعنى الأعم وهو ما كان بصيغة الأمر فيكون مراده ( حينئذ ) بإطلاق تقديم القبول على الإيجاب معناه الخاص كما يشهد به ان المحقّق ( قدس سره ) هنا تردّد في قول المشتري بعني أو تبيعني مع قول البائع بعتك ومع ذلك اتبعه بالحكم بجواز تقديم القبول على الإيجاب قال في ( الشرائع ) فلو قال اشتر أو ابتع أو أبيعك لم يصح وان حصل القبول وكذا في طرف القبول مثل ان يقول بعني أو تبيعني لان ذلك أشبه بالاستدعاء والاستعلام وهل يشترط تقديم الإيجاب على القبول فيه تردد والأشبه عدم الاشتراط فقد أراد بالقبول المذكور أخبرا معناه الأخص فهو مفصل في البيع بين تقديم الأمر من المشترى وبين تقديم القبول بمعناه الأخص المتعارف بعدم الجواز في الأوّل وبالجواز في الثاني مع تعبيره بلفظ القبول عنه فلعل من أطلق جواز تقديم القبول على الإيجاب هنا مع استدلاله في النّكاح بخبر السّاعدي يقول بمذهب المحقق ( قدس سره ) من التفصيل فيمنع من تقديم الأمر بالبيع ويجوز تقديم القبول المتعارف في البيع وإطلاقه تقديم القبول على الإيجاب ناظر إلى معناه المتعارف فلم تكن القرينة التي هي الاستدلال بخبر السّاعدي معينة للمقصود وهو كون المراد بالقبول هو المعنى الأعم وان العلامة ( قدس سره ) في ( القواعد ) هنا منع من الاستيجاب والإيجاب وقال بعد ذلك وفي اشتراط تقديم الإيجاب نظر وهذا أيضا شاهد بأن إطلاق الإيجاب والقبول لا يلزم ان يراد به المعنى الأعم فقد يراد به المعنى المتعارف فلعلّ من أطلق جواز تقديم القبول على الإيجاب أراد بالقبول ما أراده العلامة ( قدس سره ) بلفظه قوله وقد عرفت ان القبول على وجه طلب البيع قد صرّح في ( المبسوط ) بصحّته بل يظهر منه عدم الخلاف فيه بيننا وحكى عن الكامل أيضا فتأمل أقول ( الظاهر ) ان الأمر بالتأمل إشارة إلى أن الاكتفاء بالقبول على وجه طلب البيع لا يتم حتّى على ما قوّاه لان الاكتفاء باللفظ المنشئ به المعاملة إذا لم يكن مما قام الإجماع على عدم إفادته اللزوم انما يصحّ إذا كان ذلك اللَّفظ المذكور وافيا بإفادة المعنى الذي تتقوم به المعاملة وقد علمنا أن الأمر في القبول على وجه طلب البيع ليس على ذلك المنوال لما بينه من أن معناه يؤل إلى الرّضا بما سيوقعه صاحبه من إنشاء البيع بعد ذلك وانه ليس محصلا للقبول الذي هو ركن في العقد وهو الرّضا بالفعل بما أوقعه صاحبه في الحال ويحتمل أن يكون إشارة إلى توهين نفى الخلاف المستفاد من كلام الشيخ ( قدس سره ) لما عرفت من وقوع الخلاف في كفاية الاستيجاب والإيجاب وانه قد أنكره جماعة من أعيان فقهائنا ( رضي الله عنه ) ويحتمل أن يكون إشارة إلى توهين ما أفاده سابقا بتقريب أن كفاية الاستيجاب والإيجاب إذا كانت بحيث ذهب إليها الشيخ وجماعة بل نفى عنها الخلاف فلا بد وأن يكون مرادهم ما يحصل به قوام العقد بأن يكون الأمر عندهم بمعنى يتحقق به القبول الذي هو ركن العقد بأن يكون بمعنى اشتريت مثلا والا فلا يمكن منهم الحكم بصحة ما لا يحصل فيه القبول الذي هو ركن العقد لكن هذا بعيد جدا لفوات محل بيانه وانما كان محلَّه ما يلي قوله ومما ذكرنا يظهر الوجه في المنع عن تقدّم القبول بلفظ الأمر مضافا إلى بعد إحالة مثل هذا المطلب المهم لو كان حقا في نظره إلى مجرد الأمر ( بالتدبر ) فتدبر قوله وان كان التقديم بلفظ اشتريت أو اتبعت أو تملكت أو ملكت هذا بكذا فالأقوى جوازه محصّل ما ذكره هو التفصيل بين لفظ قبلت وغيره من الألفاظ بعدم الجواز في الأوّل والجواز في الثاني بناء على كون النزاع فيما هو أعم من قبلت وغيره كما هو ( ظاهر ) إطلاق كلمات القدماء وصريح ما اختاره العلامة الطَّباطبائي ( قدس سره ) فيما حكى عنه من جواز التقديم حتّى في لفظ قبلت وما اختاره ( المصنف ) ( رحمه الله ) قد وافق فيه الشّهيد الثاني والمحقق الأردبيلي ( قدس سرهما ) وان كان كلامهما ناظرا إلى جعل محلّ النزاع في غير قبلت الا ان محصل ما اختار ( انتهى ) هو الجواز في غير قبلت وعدم الجواز فيه قوله لأنه إنشاء ملكيّة للمبيع بإزاء ماله عوضا ففي الحقيقة كلّ منهما يخرج ماله إلى صاحبه ويدخل مال صاحبه في ملكه ( انتهى ) قال في ( المسالك ) بعد ان قوى عدم اشتراط تقديم الإيجاب على القبول ما لفظه وموضع الخلاف ما لو كان القبول بلفظ اتبعت أو اشتريت أو شريت أو تملكت منك كذا بكذا بحيث يشتمل على ما كان يشتمل عليه الإيجاب اما لو اقتصر على القبول وقال قبلت وان أضاف إليه باقي الأركان لم يكف بغير اشكال و ( حينئذ ) فلا فرق بين الإيجاب والقبول وانما كلّ منهما أحد شقي العقد وفي الحقيقة هذه الألفاظ المتقدّمة المعدة قبولا قائمة مقامه لا نفسه وانما القبول على الحقيقة قبلت وهو ممّا لا يصحّ الابتداء به انتهى وفي مجمع الفائدة عند قول العلَّامة ( قدس سره ) في ( الإرشاد ) وفي اشتراط تقديم الإيجاب نظر ما نصه وجه النظر صدق العقد والأصل عدم اشتراط شيء وسائر ما تقدم والاحتياط لوجود الخلاف وان القبول فرع الإيجاب فلا معنى لتقديمه والأول أظهر وقد فهم مما تقدم ويؤيده جوازه في النكاح مع أن مبناه على الاحتياط التام والاحتياط ليس بدليل مع أنه لا يمكن بعد الوقوع مع أن كون القبول فرع الإيجاب غير ( ظاهر ) ومنقوض بما جوّز في النكاح على أنه انما هو مع كونه بلفظ قبلت ونحوه وحده أو مع انضمام هذا المتاع وشرائه بمبلغ كذا وذلك غير كاف من غير نزاع على ما في ( حينئذ ) ( الشرائع ) وانما النزاع إذا أتى بمثل قوله ابتعت أو اشتريت أو تملكت منك هذا المتاع بكذا بحيث يشتمل على جميع ما يعتبر في صحّة العقد في صورة تقديم الإيجاب ولا ينبغي ( حينئذ ) النزاع فإن البائع كالمشتري فيجوز ابتداؤه بالصّيغة قبل الأخر فيكون موجبا والثاني قابلا ( مطلقا ) وسيجئ في بيع الآبق وبيع اللبن في الضرع أخبار دالة على جواز وقوع البيع بلفظ المضارع مع التقديم وبعضها صحيح انتهى وقد اختلف افهام الناظرين في كلام المحقق المذكور فمنهم من فهم منه ان مراده ان القبول يصير إيجابا والإيجاب ينقلب قبولا ومنهم من زعم أن عرضه ان القبول يصير إيجابا والإيجاب باق بحاله لم يتغير غاية ما هناك ان العقد مركب من إيجابين ومنهم من زعم أن مقصوده هو ان كلا منهما إيجاب وقبول بالاعتبارين ولهذا أورد عليه بعض من تأخر بان متنازع الفقهاء انما هو تقديم القبول على الإيجاب المعتبر كل منهما بوصفه العنواني و ( حينئذ ) نقول إن مثل قول المشترى اشتريت المقدم على قول البائع بعت لا ( يخلو ) امّا أن يكون باقيا على ما كان عليه من كون المراد به هو المعنى الذي هو قبول أم لا فعلى الأول لا معنى لقول المحقق الأردبيلي فإن البائع كالمشتري فيجوز ابتداؤه بالصّيغة قبل الأخر فيكون الأوّل موجبا والثاني قابلا ( مطلقا ) ومثله ما أفاده ( المصنف ) ( رحمه الله ) من أن المشترى في الحقيقة أنشأ المعاوضة كالبائع وذلك لأنه مع فرض كون لفظ اشتريت باقيا على معناه المراد به في صورة التأخير أعني القبول لا معنى لصيرورته إيجابا لأن الإيجاب عبارة عن نقل الشيء وإعطائه ومع كونه قبولا كيف يصير إيجابا وإعطاء وعلى هذا القياس نكحت إذا كان مقدما على أنكحت فإنه في صورة التّأخر عبارة عن قبول الإنكاح فعند تقديمه ان أريد به ما كان يراد به عند التأخر لم يكن إيجابا لأن إيجاب النكاح عبارة عن إدخال الزوجة في عنوان الزّوجية فكيف يصير قبول الزوجة للزوجية