المامقاني

242

غاية الآمال ( ط . ق )

غيره فنقول ان ما وضع له لفظ العقد ليس هو مطلق العهد بل العهد الخاص الذي لا يجري إلا بين اثنين قال الطَّبرسي في مجمع البيان العقود جمع العقد بمعنى العقود وهو أوكد العقود والفرق بين العقد والعهد ان العقد فيه معنى الاستيثاق والشد ولا يكون الا بين متعاقدين والعهد قد ينفرد به الواحد فكل عهد عقد ولا يكون كل عقد عهدا وأصله عقد الشّيء بغيره وهو وصله به كما يعقد الحبل انتهى ويوافقه ما حكى عن الكشاف وان لم يكن صريحا في كون العقد لا بد وأن يكون بين اثنين الا انه يمكن استظهاره منه قال في تفسير الآية ( يقال ) وفي بالعهد وأوفى به ومنه والموفون بعهدهم والعقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل ونحوه إلى أن قال وهي عقود اللَّه التي عقدها على عباده وألزمها إيّاهم من مواجب التكليف وقيل هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات ويتحالفون عليه ويتفاسخون من المبايعات ونحوها و ( الظاهر ) انها عقود اللَّه عليهم في دينه من تحليل حلاله وتحريم حرامه وانه كلام قدم مجملا ثم عقب بالتفصيل وهو قوله أحلت لكم انتهى وفي العوائد بعد نقله ( الظاهر ) اتحاد ما جعله ظاهرا مع ما ذكره أولا ويحتمل أن يكون مراده من الأوّل ما اختصّ بالواجبات من التكاليف وما أوجب عليهم فعله وما جعله ظاهرا يكون أعم انتهى وكيف كان فالغرض الاستشهاد بما فيه من نقل معنى العقد بحسب اللغة لا ما اجتهد فيه من كون المراد بالعقود في الآية المعنى الذي عينه من افراد المعنى اللَّغوي وإذ قد عرفت ذلك نقول إن الإيقاعات كالطَّلاق ونحوه خارجة عن أصل مفهوم اللَّفظ بما عرفت من أن العقد لا يكون الا بين اثنين لكن يبقى ان النّذر عهد مع اللَّه ( تعالى ) فيكون هناك طرفان وكذا في العهد بمعناه المصطلح عليه بين الفقهاء فلم لا يتمسّكون بها فيهما ويمكن ان يجاب بأنّهم استغنوا بالأدلَّة الخاصّة الواردة في وجوب الوفاء بهما عن عموم وجوب الوفاء بالعقود أو بأنّ مجرّد وجود الطرفين لا يكفي في صدق العقد الا ان يصدر من كل منهما مقابل ما صدر عن صاحبه وبهذا يفترق الطلاق مثلا عن العقود والا فالطلاق أيضا لا بد له من متعلق فيتحقق بملاحظته طرفان ولا يتوهم ان هذا ينافي ما ذكره صاحب الكشاف من قوله وهي عقود اللَّه التي عقدها على عباده وألزمها أباهم نظرا إلى أن ذلك العقد ليس الا من قبيل صدور الإيقاع من فاعل متعلقا بشخص كالطلاق الَّذي يوقعه الرّجل على زوجته لأنا نقول إن كلامه انما هو في تفسير الآية والخطاب مع المؤمنين وليس الا قابلين لما عهد إليهم ربّهم فيكون من قبيل العقود دون الإيقاعات هذا وامّا العقود الواقعة بين النّاس كاهل الجاهليّة وأمثالهم من قبيل المعاقدة وللعاهدة على التظاهر ونحو ذلك فإنّها وان شملتها لفظ العقود بعمومها الا انها خرجت بالدّليل كالاخبار في جملة من مواردها والإجماع فالحاصل انه لا وجه للإضراب عن حمل اللَّفظ على مفهومه العرفي ما لم يصرف عنه صارف وبه يتم ( المطلق ) و ( الظاهر ) ان المراد بها أنواع العقود دون إفرادها كما قد يستفاد من سياق التفاسير التي ذكروها لها ممّا قد أعرضنا عنه حذرا من التطويل الغير المناسب للمقام ودعوى بعض من تأخر ان عموم الأنواع والأصناف خلاف ( الظاهر ) ممّا لا شاهد عليه وبعد كون المراد هو عموم الأنواع صحّ الاستدلال بها للصحة بل اللزوم في كل ما شك من إفرادها وأصنافها كما أنه يصحّ لمن قال إن المراد الأنواع المتعارفة الاستدلال بها في كلّ ما شك من افراد تلك الأنواع المتعارفة وأصنافها دون غيرها فافهم وتبصر قوله وما دل في بيع الآبق واللَّبن في الضّرع من الإيجاب بلفظ المضارع امّا ما دل على الأوّل فهو رواية رفاعة النحاس الَّتي وصفها في ( الجواهر ) بالصّحة قال سئلت أبا الحسن موسى ( عليه السلام ) فقلت له أيصلح ان اشترى من القوم الجارية الآبقة وأعطيهم الثمن وأطلبها أنا فقال لا يصلح شراؤها الا ان تشترى منهم معها ثوبا أو متاعا فتقول لهم اشترى منكم جاريتكم فلانة وهذا المتاع بكذا وكذا درهما فان ذلك جائز ورواية سماعة المروية عنه وعن غيره بطرق متعدّدة المعبر عنها في ( الجواهر ) بالموثق عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) في الرّجل يشترى العبد وهو أبق عن أهله قال لا يصلح الا ان يشترى معه شيئا أخر ويقول اشترى منك هذا الشيء وعبدك بكذا وكذا فإن لم يقدر على العبد كان الَّذي نقده فيما اشترى منه وامّا ما دلّ على الثاني فهو موثّق سماعه كما في ( الجواهر ) سئلته عن اللَّبن يشترى وهو في الضّرع قال لا الا ان يحلب لك في سكرجة فتقول اشترى منك هذا اللَّبن الَّذي في السّكرجة وما بقي في ضرعها بثمن مسمّى فإن لم يكن في الضّرع شيء كان ما في السّكرجة بيان قال في المجمع هي بضم السّين والكاف والرّاء والتشديد إناء صغير يؤكل فيه الشّيء القليل من الأدم وهي فارسية وأكثر ما يوضع فيها الكواميخ ونحوها قيل والصّواب فتح الرّاء لأنه فارسي معرب ومفتوحة أقول في الوسائل عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن عن زرعة عن سماعة قال سئلته عن اللَّبن يشترى في الضّرع فقال لا الا ان يحلب لك منه أسكرجة فيقول اشتر منّى هذا اللَّبن الَّذي في الاسكرجة وما في ضروعها بثمن مسمّى فإن لم يكن في الضّرع شيء كان ما في الاسكرجة والإيجاب فيه بلفظ الأمر ان لم يكن قد وقع من الرّواة أو الكتاب اشتباه منفي بالأصل عند الشك فيه فيصير دليلا على جواز الإيجاب بلفظ الأمر قوله وفحوى ما دل عليه في النّكاح الدّال على وقوع عقد النّكاح بلفظ المستقبل أخبار كثيرة ذكر أكثرها في الوسائل في باب صيغة المتعة وجملة منها في ضمن الأبواب الأخر مثل أبواب عقد النّكاح ولكن لم أجد منها ما ورد في غير المتعة إلا أنه لا يتفاوت الأمر لكون عقد المتعة عقدا لازما متعلَّقا بالفروج الَّتي هي محلّ الاحتياط فيتعدّى إلى ما كان محله غيرها بالفحوى فمنها رواية أبان بن تغلب قال قلت لأبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) كيف أقول لها إذا خلوت بها قال تقول أتزوجك متعة على كتاب اللَّه وسنة نبيه لا وارثة ولا موروثة كذا وكذا يوما وان شئت كذا وكذا سنة بكذا وكذا درهما وتسمّى من الأجرة ما تراضيتما عليه قليلا كان أو كثيرا فإذا قالت نعم فقد رضيت فهي امرأتك وأنت أولى الناس بها ويدل على وقوعه بلفظ الأمر رواية سهل السّاعدي التي نذكرها عند إشارة ( المصنف ) إليها في المسئلة الآتية مضافا إليها ما في معناها قوله ولا ( يخلو ) هذا من قوة أقول هذا هو المعتمد والدليل عليه هو عموم قوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » الشامل للماضي وغيره بعد فرض تحقق معنى العقد والإنشاء إذ لا تقول به في غير ذلك و ( حينئذ ) فدعوى كون المستقبل شبه الوعد مجرّد استحسان قوله فتأمل الأمر بالتأمل إشارة إلى وهن اشتراط صراحة المضارع في الإنشاء على وجه لا يحتاج إلى قرينة المقام لأن صراحة الماضي ( أيضا ) في الإنشاء انما هو بمعونة قرينة المقام الا على قول من قال بأن صيغة الماضي نقلت في العقود إلى معنى الإنشاء فصارت حقيقة فيه ولا يخفى ما فيه لان معنى النقل لا يتحقق هنا ضرورة توقفه على هجر المعنى الأوّل وكون استعمال لفظ بعت في الاخبار عن الماضي على وجه الحقيقة مما لا يرتاب فيه