المامقاني

233

غاية الآمال ( ط . ق )

انّ الهبة انما تفهم من تجريد اللَّفظ عن العوض لا من مادة التّمليك فهي مشتركة معنى بين ما يتضمن المقابلة وبين ما يتجرّد عنها ( انتهى ) وامّا ما تقدّم ذكره من إيراد بعض المعاصرين بأنه لإيراد بالصّراحة في كلامهم ما يشمل ذلك فهو مدفوع بان ظاهر جماعة منهم وان كان ذلك الا ان قول جماعة بمجرّدة لا يبلغ مرتبة الحجيّة ما لم ينته إلى حدّ الإجماع وكيف ينتهي إلى ذلك الحد وقد خالف فيه جماعة كثيرة وقد عرفت ان مذهبه ( رحمه الله ) هو ان اللَّازم انّما هو التعبير عن العنوان المعتبر في ذلك العقد عند ( الشارع ) وانه لا يجوز الإجارة بلفظ العارية مثلا ويجوز بلفظ بيع المنفعة والسّكنى وعلى هذا فيكفي المجموع المركب في إعطاء العنوان عنده ولا يلزم حصوله من المفرد ففي قولنا ملكتك بكذا يصير المجموع المركب مفيد العنوان المعاملة وامّا ما ذكره المعاصر المذكور بقوله والا لجرى في نقلته إليك وأدخلته في ملكك وجعلته لك والمفروض عدمه ففيه منع الملازمة بالنّسبة إلى الأوّل والأخير ومنع بطلان اللَّازم بالنّسبة إلى الأوسط ودعوى ان المفروض عدمه يمكن توجيه المنع عليها بأنه ان أراد بأن المفروض عند الأصحاب كلَّهم أو عند ( المصنف ) ( رحمه الله ) بخصوصه ذلك فتوجه المنع عليه كنار على علم وان أراد ان المفروض عند جماعة ذلك فيتجه عليه ان مجرّد فتوى جماعة ممّا لا حجّة فيه ثالثها ان التمليك حقيقة في القدر المشترك بين البيع والعطية والهبة فإن أريدت خصوصيّة البيع من لفظه صار مجازا واستعمال الألفاظ المجازية في العقود غير جائز وان لم ترد الخصوصيّة من اللَّفظ كان عنوانا عاما غير منطبق على المقصود الَّذي هو خصوص البيع وفيه ان هذا انما يتم على القول باشتراط كون الضيقة ؟ بنفسها مع عدم انضمام شيء ممّا يكشف عن دلالتها صريحة وامّا على القول بالاكتفاء بكون المجموع المركب صريحا كما يظهر من الأكثر فلا يتم لانّ المجموع المركب من لفظي التمليك والعوض المنضم إليه يصير صريحا في عنوان البيع حجة القول الثالث ما أفاده في محكي المصابيح من أنه يشكل الإيجاب بها يعنى لفظة ملكت لاحتمالها لغير البيع وان كانت نصا في الإيجاب ولا يجدي ذكر العين والعوض لان تمليكها به قد يكون بالهبة والصّلح فلا يتعين بيعا إلا إذا قيده البائع به فقال ملكتك بالبيع ومنه يظهر وجه المنع كما هو ظاهر الجامع مع ضعف إطلاقه كإطلاق غيره ولو حمل المنع فيه على المجرد عن القيد والجواز في غيره على المقيد زال الاشكال انتهى وحذا حذوه صاحب ( الجواهر ) ( رحمه الله ) بزيادة احتمال حمل المنع على ما إذا استعمل فيه مجازا بملاحظة الخصوصيّة والمجاز لا ينعقد به العقد والجواز على استعماله على جهة الحقيقة وان استفيدت الخصوصيّة من قيد أخر لكنك قد عرفت ما يتّجه على هذا ثمّ انه ( رحمه الله ) بعد ذكر جملة من الكلام قال وعلى كلّ حال فالأقوى صحّة الإيجاب بالتمليك مقيدا بالبيع ثمّ حكى عن المصابيح تحققه بكل ما كان من الألفاظ الموضوعة للقدر المشترك بين البيع وغيره نحو النقل والإمضاء بل ( الظاهر ) تحققه عند أدخلته في ملكك بل وجعلته لك بناء على كون اللَّام حقيقة في الملك أو أريد ذلك منها بالقرينة بناء على انّها للقدر المشترك بينه وبين الاختصاص ضرورة اشتراك الجميع في المعنى مع ملكت انتهى يعنى انه يقع إيجاب البيع بهذه الألفاظ بعد تقييدها بما قيّد به ملكتك من قوله بالبيع ولكن يمكن الفرق بين ملكت وان لم يقيّد بقوله بالبيع وانّما قيد بالعوض وبين غيره على ما عرفت من مذاقنا من التّمسك بقوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » فيما لم يعرض عنه الأصحاب ومعلوم ان ملكتك متصف بهذا الوصف دون غيره من الألفاظ المذكورة قوله ( قدس سره ) وامّا الإيجاب بإشتريت ففي مفتاح الكرامة انه قد ( يقال ) بصحّته كما هو الموجود في بعض نسخ كره والمنقول عنها في نسختين من تعليق الإرشاد أقول ( الظاهر ) انه تصحيف شريت كما هو الموجود في النسخة التي رأيناها لبعد الاقتصار عليها دون شريت ويؤيده انه لم يذكر اشتريت بالخصوص أحد من الفقهاء في عداد ألفاظ إيجاب البيع وان كان بعض أهل اللَّغة ذكر استعماله في معنى إيجاب البيع وقبوله ففي شرح القاموس ( يقال ) اشتراه إذا ملكه بالبيع ويقال اشتراه إذا باعه انتهى ثمّ ان ( الظاهر ) منها بعد ما عرفت هو حصر ألفاظ الإيجاب في بعت وملكت وشريت لأنه قال فيها صيغة الإيجاب بعت أو شريت أو ملكت من جهة البائع ومثله عبارة ( الدروس ) لأنه قال فيها فالإيجاب بعت وشريت وملكت انتهى وزعم بعض المعاصرين ان عبارة ( القواعد ) أيضا تفيد الحصر على خلاف صاحب ( الجواهر ) ( رحمه الله ) في حكمه بأنها كالصّريح في عدم الحصر قال المعاصر المذكور وما قيل من أنها كالصّريح في عدم الحصر محل نظر بل منع بل لعلها بالعكس سيما بملاحظة الحصر في القبول انتهى ولا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام ان الحق ما فهمه صاحب ( الجواهر ) ( رحمه الله ) لأنه قال في ( القواعد ) ولا بد من الصّيغة الدّالة على الرّضا الباطن وهي الإيجاب كقوله بعت وشريت وملكت والقبول وهو اشتريت أو تملكت أو قبلت انتهى وسياقه يعطى عدم انحصار الإيجاب لأنه حكم أو لا بلزوم الصّيغة الدّالة على الرّضا الباطن وهي أمر كلَّي ثمّ حكم عليه بأنه الإيجاب والقبول وادخل الكاف على ألفاظ الإيجاب وهي ظاهرة بل صريحة في التمثيل وامّا ما ذكره المعاصر المذكور من كون الحصر في القبول قرينة على الحصر في الإيجاب ففيه ان ما ذكره في جانب القبول ليس صريحا ولا ظاهرا في الحصر لاحتمال التمثيل فيه اعتمادا على ما ذكره في جانب الإيجاب واحتمال انه يقول بالحصر في جانب القبول دون الإيجاب هذا وقد نسب القول بالحصر في الثلاثة إلى جماعة وحال إليه صاحب ( الجواهر ) ( رحمه الله ) كما يدل عليه الجمع بين ما ذكره في لفظي بعت وشريت من دعوى الإجماع وبين ما ذكره في ذيل كلامه ومحصله ان الصّريح المعتبر عندهم ما كان دالا على خصوص البيع وضعا فلا يكفى ما يدل عليه بالقرينة ولو قرينة المشترك المعنوي ولو كانت لفظية موضوعة لذلك والا لكفى المجاز كذلك والتّالي باطل عندهم فالمقدم مثله والملازمة ظاهرة والاكتفاء بملكت للإجماع ان ثبت لا يقضى بالتّعدية إلى غيرها ودعوى ان منشئه انما هو أصالة البيع في تمليك الأعيان بالعوض فيتعدى منها إلى جميع ما كان بمعناها ممّا هو للقدر المشترك بين البيع وغيره محل منع بل لعل منشئه الترادف مع بعت كما نسب إلى الكركي ( قدس سره ) وغيره فلا يلزم منه التّعدية إلى غيرها مع انتفاء ذلك فيه كما هو واضح أو انه لحكمة لا نعرفها كما هو الوجه ودعوى ان الصّريح ما كان دالا بالوضع ( مطلقا ) في مقابل المجاز فيشمل المشترك المعنوي كاللفظي ممّا يأباه التدبر في عباراتهم وأمثلتهم في موارد شيء لا تخفى على المتتبع ولهذا احتمل كون المدار عندهم على ثبوت ذلك لغة وتعارفه على السنة الفقهاء وعدم رفضهم له فلا يكفى مجرّد الصّحة لغة أو عرفا ولهذا لم يصحّ سلمتك في السّلم مع صحّته لغة وصراحة فيه كما قيل وشمول الإطلاقات لكل لفظ مجازي أو مشترك لفظي أو معنوي أفاد معنى البيع ولو بالقرينة محل نظر بل منع لقرب احتمال انصرافها إلى المتعارف ومعلوم ان جميع ذلك