المامقاني

171

غاية الآمال ( ط . ق )

( الشارع ) في مقابلته بمال وهو أمر منوط برضاه وإذنه ا لا ترى ان العذرة مثلا مع ما وعليه من المقصودية عند أهل الزرع والبساتين لم يرخص ( الشارع ) في مقابلتها بالمال مضافا إلى إنا لو سلمنا الملازمة بين إسقاط الحق ممّن هو عليه وبين مصالحته عنه بمال لم نسلم الملازمة بين إسقاطه عنه وبين مصالحة الأجنبي عن الحق بمال فالحق ان الأصل عدم جواز الصّلح عن كلّ ما شك في جواز الصّلح عنه من الحقوق حتى يدل دليل على جوازه كما أن الأصل عدم جواز إسقاط كل حق شك في جواز إسقاطه حتّى يقوم دليل على الجواز قوله لانّ البيع تمليك الغير يعنى ان كلّ بيع تمليك الغير من الطَّرفين أعني طرفي البائع والمشترى فهو من طرف البائع تمليك العين للمشتري ومن طرف المشترى تمليك الثمن للبائع ففيما نحن فيه إذا فرض انّ الحقّ غير قابل للنّقل إلى الغير لم يصح من المشترى ان يجعله ثمنا وينقله إلى البائع في مقابل العين الَّتي نقلها إليه قوله ( رحمه الله ) ولا ينتقض ببيع الدين على من هو عليه يعنى ان كلية التعليل الَّذي هو ان البيع تمليك الغير لا تنتقض ببيع الدّين على من هو عليه وتقريب وجه النّقض هو ان بيع الدين على من هو ليس إلا عبارة عن إسقاطه عن ذمّة المديون ومع سقوطه لا يبقى شيء حتى يملكه ووجه الدّفع هو ان السّقوط هنا يتفرّع على التمليك ولا مانع من اجتماعهما بحيث يتفرّع السّقوط على التّمليك ومن جهة عدم المانع من اجتماعهما صار أمر الإبراء ملتبسا فجعله الشهيد ( رحمه الله ) مرددا بين الاسقاط والتمليك قوله والحاصل انه يعقل أن يكون مالكا في ذمّته فيؤثر تمليكه السقوط ولا يعقل ان يتسلَّط على نفسه غرضه ( رحمه الله ) بيان حاصل وجه الفرق بين الحق والدّين من حيث صحّة البيع الثاني وعدم صحة كون الأوّل ثمنا للمبيع وقد استفيد إثبات الفرق من التعرّض لعدم ورود النقض ببيع الدّين هذا ولكن لا يخفى عليك ان ما ذكره في هذه العبارة من أنه لا يعقل ان يتسلَّط على نفسه مبنىّ على ما أشرنا إليه من كون النّقل مغاير المعنى الاسقاط من حيث إنه يعتبر في نقل الحقّ انتقاله من صاحبه الأول إلى غيره بحيث يترتب عليه عند المنتقل إليه تلك الآثار الَّتي كانت تترتب عليه عند المنتقل منه والا كان عبارة عن الإسقاط فينتفى الأثر الَّذي كان يرتّب عليه صاحبه ولا يفيد جواز ترتيب أثره ممّن أسقط عنه وبهذا البيان يمكن دفع ما قد يتوهّم وروده من النّقض بأنّه إذا كان بيع الدّين ممّن هو عليه مفيدا للملكية له وترتب السّقوط عليه فليكن نظيره ثابتا فيما لو باع من عليه الحق من المستحقّ عينا بحقّه فلم لا يفيد ذلك صيرورة الحقّ ملكا للبائع الَّذي هو من عليه الحقّ حتّى يترتب عليه سقوطه ووجه الدّفع ان ذلك ( حينئذ ) لا يكون نقلا للحق في مقابل إسقاطه وانّما يكون إسقاطا ثمّ انه يبقى هنا مناقشة تتجه على كلام ( المصنف ) ( رحمه الله ) وهي ان قوله ولا يعقل ان يتسلَّط على نفسه وما ذكره من السر بعد ذلك انّما يتم على تقدير كون المنقول إليه هو خصوص من عليه الحق وقد عرفت انه كما يصحّ شرعا ان ينقل الحق إلى من هو عليه ( كذلك ) يصحّ ان ينقل إلى غيره ممّن هو أجنبي عنهما فكلامه قاصر عن إفادة تمام المقصود بل موهم لخلافه بل نقول إن النقل مقابل الإسقاط إذا كان لا يتصوّر بالنّسبة إلى من عليه الحقّ كان اللازم تحرير البحث وسبك التّعليل إلى النقل بالأجنبي ويمكن الجواب بان مورد النقض لما كان بيع الدين على من هو عليه كان اللازم في تحرير الجواب هو النسج على منواله وإذ قد عرفت ذلك فاعلم أن لبعض مشايخنا في المقام كلاما ينبغي ذكره وهو انه اختار التفصيل بين ما كان من الحقوق لا يقبل الاسقاط كحقّ السّلام وحق ولاية الأب والجدّ مثلا وبين ما يقبل النّقل كحقّ التحجير وبين ما يقبل الاسقاط كحقّ الخيار والشفعة فمنع من صيرورة الأوّل عوضا للمبيع وأجازها في الأخيرين استنادا إلى العمومات الدّالة على مشروعية البيع وفرّع على ذلك الاعتراض على ( المصنف ) ( رحمه الله ) بأنّ الاستشكال في جواز صيرورة كل من حق التحجير وحق الخيار وحق الشّفعة عوضا للمبيع من جهة عدم المالية في الأوّل وقد اعتبر في المصباح كون العوض مالا وعدم تعقل سلطته الإنسان على نفسه في الأخيرين مما لا وجه له امّا الأوّل فلعدم حجيّة قول صاحب المصباح في حقنا بعد علمنا بمعنى البيع أو لاحتمال ان مراده بيان الصّنف الغالب وامّا التأني فلان الحقّ ( مطلقا ) ان قبل النّقل كما اعترف به في حق التحجير ( فحينئذ ) يصحّ في حق الخيار وحق الشّفعة جعلهما عوضا للمبيع فيفيد البيع نقلهما وتمليكهما ويترتب على ذلك السّقوط كما في بيع الدّين على من هو عليه وان لم يقبل النّقل فلم اعترف به في حق التحجير واستند في الاستشكال إلى عدم الماليّة ثمّ ان هذا كلَّه انما هو إذا كان البيع بحق الخيار أو الشّفعة مثلا على من عليه الحق واما إذا كان البيع بهما على الأجنبي فلا يصحّ لعدم ثبوت ذلك من الشرع هذا كلامه وقد عرفت ممّا تقدم ما فيه فان ( المصنف ) ( رحمه الله ) استشكل في المسئلة من باب احتمال كون العوض لا بدّ من أن يكون مالا ولا يدفعه الا دعوى العلم وبابه إلى التفصيل الرافع للإشكال منسدّ واحتمال ان مراد صاحب المصباح بيان الفرد الغالب لا يفيدنا العلم بذلك وقد عرفت اختلاف أحوال الحقوق عند فقهائنا فراجع وتدبّر ثمّ إني بعد ما حرّرت المقام عثرت على كلام لبعض المعاصرين سلمه اللَّه ( تعالى ) أعجبني نقله قال وامّا الحق ففي جواز كونه ثمنا للبيع وجوه أو أقوال فقد ( يقال ) بجوازه ( مطلقا ) للإطلاقات القاضية بكونه كالصّلح الَّذي لا إشكال في وقوعه على الحقوق ( مطلقا ) وقد ( يقال ) بعدمه ( كذلك ) للأصل ولاعتبار المالية فيه لغة وعرفا مع عدم صدقها على ذلك ( كذلك ) ولظهور كلمات الفقهاء في مقامات شتى في حصره بالمال وقد يفصل بأنّ الحقّ ان لم يقبل المعاوضة أو الانتقال فلا إشكال في عدم جواز بيعه لان البيع تمليك الغير والفرض تعذره أو لمعلومية كونه من النواقل لا من المسقطات بخلاف الصّلح وان قبل الانتقال وصحّ الصّلح عليه بالمال ففيه اشكال لما مرّ في الثاني الا انّه قاصر عن تقييد الإطلاقات اللهم الا ان يمنع شمولها لذلك باعتبار عدم ثبوت تعارف نحو ذلك أو يمنع التمسّك بها في نحو ذلك و ( حينئذ ) فلا مخرج عن الأصل وامّا الأول فقد ينتقض ببيع الدين على من هو عليه المقتضى للإسقاط ولو باعتبار ان الإنسان لا يملك على نفسه ما يملكه غيره عليه وذلك بعينه آت في نحو حق الخيار والشّفعة وقد يفرق بينهما بأنه لا مانع عقلا من كون البيع المزبور تمليكا لما في ذمّته فيسقط عنه كما احتمل في الإبراء و ( حينئذ ) فيعقل ذلك ولا يعقل ان يتسلَّط على نفسه لأن الحقّ سلطنة فعليه لا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد بخلاف الملك فإنه نسبة بين المالك والمملوك ولا يحتاج إلى من يملك عليه حتى يستحيل اتحاد المالك والمملوك عليه وقد يدفع أولا بنقل الخيار مثلا إلى غير من عليه الحقّ فإن إنكار تعقله قد يشبه المكابرة كإنكار دخوله في محلّ البحث وثانيا بان معنى كون الخيار مثلا قد انتقل إليه ان سلطنة فسخ العقد الَّتي كانت لغيره قد صارت له فله فسخه كما كان لغيره ولا يتوقف على من عليه الحقّ كي يستحيل اتحاد ذي