المامقاني
204
غاية الآمال ( ط . ق )
في ملزمات المعاطاة على كلّ من القول بالملك والقول بالإباحة لا إشكال في انّه قد يعرض المعاطاة اللَّزوم في الجملة وقد صرّح كثير منهم بأن المعاطاة قد يعرضها اللَّزوم حتّى على القول بإفادتها الإباحة بل ربما نفى الخلاف والاشكال فيه مع تلف العوضين كما عن ( ثق ) وغيرها وعن شرح ( القواعد ) انه لا ريب ولا خلاف في أنّها تنتهي إليه وان التلف الحقيقي أو الشّرعي بالنقل اللَّازم للعوضين معا موجب له واحتمال العدم في الشرعي في حكم العدم قوله اعلم أن الأصل على القول بالملك اللزوم ذكر بعض من تأخر انه قد تعارف بينهم ان الأصل في كلّ عقد وما هو بمنزلته اللَّزوم وان توضيح ذلك أنه يتصّور الشّك الَّذي هو مورد الأصل المذكور على صور ثلث الأولى ان يشك في أن العقد الفلاني أو ما هو بمنزلته كالمعاطاة مثلا هل هو موضوع على اللزوم أو الجواز الثّانية ان يشك في انّ لزومه وجوازه بعد ثبوت لزومه ويؤل إلى انّه باق على لزومه أو طرء عليه الجواز الثالثة ان يشك في لزومه وجوازه بعد ثبوت جوازه كالمعاطاة بعد تلف أحد العوضين أو التصرّف الناقل لا إشكال في أن مقتضى الأصل في الصّورة الأولى هو اللزوم ويدلّ عليه وجوه الأوّل الإجماع الثاني استصحاب بقاء الأثر الحاصل من العقد أو ما هو بمنزلته الثالث قاعدة السّلطنة الرابع قوله ( عليه السلام ) لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه الخامس قوله ( تعالى ) : « ولا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ » السّادس قوله ( عليه السلام ) البيعان بالخيار ما لم يفترقا فإذا افترقا وجب البيع السّابع قوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » الثامن قوله المؤمنون عند شروطهم بناء على تعميمه بالنّسبة إلى نفس العقود أيضا التّاسع قوله ( تعالى ) : « أَحَلَّ الله الْبَيْعَ » بناء على دلالته على اللزوم بتقريب ان اللَّه ( تعالى ) أحله على الوجه الَّذي كان مقررا من اتصافه باللزوم عند الناس ولا يخفى عليك ان جريان جميع الوجوه المذكورة مختصّ بما إذا كان متعلق المعاملة الَّتي هي العقد أو ما هو بمنزلته من قبيل الأموال والا جرى بعضها دون بعض فتدبر واما الصّورة الثانية فحكمها حكم الصّورة السّابقة ويجرى فيها الوجوه المذكورة واما الصّورة الثالثة فقد ذكر فيها ما أفاده ( المصنف ) ( قدس سره ) في المتن من أن الأصل على القول بالملك هو اللزوم وعلى القول بالإباحة هو عدم اللَّزوم قوله لما عرفت من الوجوه الثمانية المتقدمة أشار بها إلى الوجوه الَّتي ذكرها بعد تقويته القول بالملك للزوم من الاستصحاب وعموم قوله ( عليه السلام ) النّاس مسلطون على أموالهم وقوله ( عليه السلام ) لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه والاستثناء في قوله ( تعالى ) : « لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ » والجملة المستثنى منها في الآية المذكورة بتقريب أخر تقدم ذكره وقوله ( عليه السلام ) البيعان بالخيار ما لم يفترقا وقوله ( تعالى ) : « أَوْفُوا بِالْعُقُودِ » وقوله ( عليه السلام ) المؤمنون عند شروطهم قوله وهي حاكمة على أصالة بقاء الإباحة الثابتة قبل رجوع المالك لو سلم جريانها وجه المنع من جريانها هو ان الإباحة بمعنى المصدر المبنى للمفعول الَّذي هو صفة للمباح أثر أمر قائم بنفس المبيح وهو الإباحة بمعنى المصدر المبنى للفاعل فترتفع بارتفاع ذلك الأمر هذا ولكن لا يخفى ان ذلك انّما يتم بناء على كون الإباحة مالكيّة وامّا ان قلنا بان محلّ النّزاع هو ما لو قصد المتعاطيان الملك لكن ( الشارع ) انما رتب الإباحة ( فحينئذ ) إذا شك في ارتفاع تلك الإباحة برجوع المالك استصحب بقاؤها ويكون الشك من جهة الرافع الَّذي هو رجوع المالك بمعنى الشّك في رافعية الشيء الموجود وهو ( رحمه الله ) يقول بجريان الاستصحاب عند الشّك في الرابع بأقسامه وان أنكره عند الشّك في المقتضى ويمكن ان ( يقال ) ان التقييد بقوله لو سلم إشارة إلى تقييد جريان استصحاب بقاء الإباحة بالقول يكون من الإباحة من جانب ( الشارع ) دون المالك لعدم جريانه بناء على تقدير كونها من جانب المالك فتدبر قوله وتوهم جريان قاعدة الضمان باليد هنا مندفع بما سيجيء من قوله والتمسّك بعموم على اليد هنا في غير محلَّه بعد القطع بان هذه اليد قبل تلف العين لم تكن يد ضمان بل ولا بعده إذا بنى مالك العين الموجودة على إمضاء المعاطاة ولم يرد الرجوع انما الكلام في الضمان إذا أراد الرّجوع وليس هذا من مقتضى اليد قطعا هذا وقد أورد عليه بان منع جريان قاعدة اليد هنا مناف لما تقدم منه من التمسّك بها وستعرف توضيحه في ذيل قوله والتمسّك بعموم على اليد هنا في غير محلَّه قوله وامّا على القول بالملك فلما عرفت من أصالة اللزوم كان الأولى ان يتمسّك هنا بالأولوية لكون اللزوم على تقدير صيرورة كل من العوضين ملك قابضه أولى منه على تقدير بقائه على ملك دافعه وصيرورته مباحا لقابضه وذلك لان مقتضى دليل اللَّزوم على القول بالإباحة هو فوات كلّ من المالين من كيس دافعه من دون ضمان على قابضه ومقتضى هذا فوات محلّ الرّجوع وعدم بقاء مجال له وهو معنى اللَّزوم ولا ريب ان فوات محل الرّجوع من الدّافع على تقدير انتقال كل من العوضين إلى قابضه وكون فوات كلّ منهما وتلفه من كيس القابض لمولى بتفويت محلّ الرّجوع من كل منهما على الأخر وقد تلف العوضان جميعا وتلف كل منهما من كيس قابضه الَّذي هو المالك فلا يبقى محل للرّجوع من أحدهما على الأخر فتدبر واحتج في لك للزوم بتلف العينين بوجه أخر حيث قال ويجوز له الرّجوع في المعاوضة ما دامت العين باقية فإذا ذهبت لزمت امّا جواز التصرّف فلما مرّ من تسليط كل منهما الأخر على ما دفعه إليه وإذن له فيه ولا معنى لإباحة التصرّف الا ذلك وامّا لزومها مع التّلف فلرضاهما بكون ما أخذه كلّ منهما عوضا عمّا دفعه فإذا تلف ما دفعه كان مضمونا عليه الا انه قد رضى بكون عوضه هو ما بيده فإن كان ناقصا فقد رضى به وان كان زائدا فقد رضى به الدّافع فيكون بمنزلة ما لو دفع المديون عوضا عما في ذمته ورضى به صاحب الدّين ثم قال وفيه نظر أقول وجه النّظر انّه لم يحدث لمالكي العينين بعد تلف كلّ منهما عند قابضها رضى جديد بل كثيرا ما لا يطلع كلّ منهما على تلف ما دفعه إلى صاحبه من العوض عنده ولا يلتفت ولا يخطر بباله فليس هنا سوى الرّضا الحاصل في حال دفع كلّ منهما ماله إلى الأخر وذلك الرّضا لو كان موجبا للزوم لترتب على المعاطاة من أوّل الأمر ولم يتوقف على تلف العينين وذكر بعض المعاصرين في وجه النّظر ما لفظه ولعله مع كونه انما يتم على الإباحة ومع منافاته للجزم بعد ذلك بتحقق الملك فيهما لمنع كون الرّضا موجبا لذلك نعم قد يكون موجبا لعدم الضّمان ولو للشّك في شمول دليله لذلك كما مر فلاحظ وتدبّر انتهى ولا يخفى على من له خبرة بنقد المطالب ان الوجه ما ذكرناه قوله والمتيقن من مخالفتها جواز ترادّ العينين وحيث