المامقاني
202
غاية الآمال ( ط . ق )
حاجة إلى قرينة بخلاف الأفعال ونحوها ولذا تعرضوا لها ولضبطها في العقود الجائزة كالعارية والوديعة ونحوهما ممّا علم قيام الأفعال الدّالة عليها مقامها بل لو قيل بان جواز المعاطاة في البيع للإجماع والسّيرة لا لانحصار دليل اللزوم في آية أوفوا بل يكفى فيه استصحاب الأثر الَّذي فرض حصوله منها مضافا إلى خصوص ما دل عليه مثلا في الرّهن ونحوه اتجه القول بلزومها أيضا فيها كما لو وقع ذلك بالصّيغة فلا رجوع ( حينئذ ) في معاطاة الرّهن والضمان ونحوهما هذا كلامه ( رحمه الله ) وقد أفاد هذه الجملة لتحرير المقام والا فهو ( رحمه الله ) قد عقبها بقوله الا ان الجميع كما ترى وكيف كان فالَّذي يمكن ان يبحث عنه في المقام أمور أحدها جريان المعاطاة في غير النكاح من العقود اللازمة وثانيها جريانها في العقود الجائزة كالوديعة والعارية ونحوهما وثالثها جريانها في غير الطلاق من الإيقاعات وصاحب ( الجواهر ) ( رحمه الله ) قد أنكر جريانها في كل من الأمور المذكورة لكن على وجه خاص وهو كون معاطاة كل عقد يقوم مقامه ويقصد به ما يقصد به ففي معاطاة البيع يقصد البيع ويلحقه أحكامه وهكذا ولذا جعل إنكاره لما ذكر مؤيدا لكون المعاطاة التي أثبتها أكثر الأصحاب تقصد بها الإباحة والا فهو ( رحمه الله ) يقول بجريانها في سائر العقود وممّا يشهد بذلك ما ذكره ( رحمه الله ) في كتاب الوصيّة في شرح قول المحقق ( قدس سره ) فالإيجاب كل لفظ يدل على ذلك القصد بقوله نعم ينبغي أن يكون استعمال اللَّفظ في ذلك جاريا مجرى الاستعمال المتعارف ولا يكفي إرادته ذلك من لفظ غير صالح لإرادته حقيقة ولا مجازا و ( كذلك ) الكلام في القبول الَّذي هو أوسع من الإيجاب ولذا جاز فيه أن يكون فعلا دالا على الرضا بالإيجاب بلا خلاف أجده فيه وفي سائر العقود الجائزة نعم ظاهرهم بل صريح بعضهم عدم تحقق العقد في شيء منها بالفعل في الإيجاب لكن لا يخفى عليك مشروعيته في الجميع كما لا يخفى عليك صدق أسمائها كالعارية والوديعة ونحوهما على ذلك فلا مناص ( حينئذ ) عن القول بجواز ذلك فيها ولحوق أحكامها له الا انّه ليس عقدا فهو شبه المعاطاة في العقود اللازمة الَّتي تندرج في الاسم ولا يجرى عليها حكم العقد وليس عدم الثّمرة هنا بين المعاطاة والعقد بعد الاشتراك في الجواز مانعا عن ذلك كما هو واضح فينحصر العقد منا بالإيجاب لفظا والقبول ( كذلك ) أو فعلا وما عداه معاطاة وهو ما كان إيجابه فعلا سواء كان قبوله ( كذلك ) أم لا انتهى والحاصل انه لا ينكر كون المعاطاة المفيدة للإباحة جارية في سائر العقود وله غير ما ذكرناه من الكلمات مما يشهد بذلك في الأبواب المتفرقة لا حاجة إلى تطويل المقال بذكرها ويشهد بما ذكرنا قوله في صدر العبارة الأولى إنما المهم بيان حكم المعاطاة بالصّورة الثانية في باقي العقود وذلك لانّه قدّم للمعاطاة صور أو جعل أوليها ان يقصد بها الإباحة وثانيتها ان يقصد بها النقل على وجه البيع وكيف كان فالحق في هذا المقام عدم جريانها في النّكاح والطلاق والظهار واللعان والنذر والعهد واليمين والتّدبير والعتق لعدم قابلية جملة منها وعدم ثبوت المعاطاة في بعضها لعدم الدّليل على وقوعها من سيرة وغيرها وامّا سائر العقود فقد يستدل لثبوتها فيها بوجوه أحدها السّيرة المستمرة على إجرائها فيها على حد إجرائها في البيع وربما منع من التمسّك بها بعض من تأخّر نظرا إلى انها ناشئة من عدم المبالاة في الدّين واستند في توضيح المنع إلى قيام السّيرة على المعاطاة في الوقف وعلى البيع والشّراء من الصّبي مع اشتراط ثبوت الصّيغة في الوقف إجماعا وبطلان بيع الصّبي وشرائه لكن لا يخفى عليك عدم وضوح الأمر في الوقف بحيث يعد المعاطاة فيه من قبيل ما نشا من عدم المبالاة بالدين وثانيها صدق اسم كل عنوان من عناوين العقود على المعاطاة التي تقوم مقامه كالبيع والإجارة ونحوهما وان لم يصدق على معاطاته اسم العقد فتشملها أدلَّته بل يمكن ان ( يقال ) ان المعاطاة تصير لازمة فيما إذا قام مقام عقد لازم لما عرفت في البيع من أن مقتضى الأصل هو اللَّزوم ما لم يقم إجماع على خلافه فعلى هذا لا إشكال في صحّة المعاطاة في مثل الرهن والا قاله والفسخ والإبراء ولزومها لان الثلاثة الأخيرة لا يمكن فيها الجواز والأوّل أعني الرّهن وان كان يمكن جواز الرجوع فيه الا انّه ينافي الوثوق الَّذي شرع تجويز الرّهن لأجله والحاصل أنا وان قلنا بالجواز في المعاطاة الا انه يتعين اللَّزوم في الأربعة المذكورة لما عرفت ثالثها ما عن ( الدروس ) من الاحتجاج لاحتمال حصول الملك في معاطاة الهبة المتحققة بمجرّد الفعل بان الهدايا قد كانت تحمل إليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولم ينقل انه كان يراعى العقد فيها ويبعد حمله على الإباحة لأنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يتصرف فيها تصرّف الملاك لكن هذا أخص من المدعى فثبوتها في الهبة لا يقتضي بثبوتها في غيرها مضافا إلى انّه يمكن ان يدعى ان باب الهدية عنوان برأسه في الشرع وقد تصدّى بعض المعاصرين أيده اللَّه ( تعالى ) لردّ الاستدلال بأنه لم يثبت ان النّبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تصرف في الهدايا من أوّل الأمر تصرّف الملاك ولا ( يخلو ) عن وجه في مقام المخاصمة الا ان الإنصاف حصول الطَّمأنينة بتصرفه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيها ( كذلك ) ويكشف عنه استقرار سيرة الناس في خصوص الهدايا في الأعصار والأمصار من العلماء والأتقياء على ذلك ووسوسة بعض المعاصرين في اعتبار هذه السّيرة كما ترى رابعها ما في كلام المحقق الثاني ( قدس سره ) من اسناد ذلك إلى ظاهر الأصحاب في الإجارة والهبة وما في كلام الشّهيد الثاني ( رحمه الله ) من دعوى إطباق الأصحاب في الإجارة وان كان ما في كلام هذين العلمين من الإسناد انّما هو من باب الحكاية عن دعوى بعض الأصحاب إسناده إليهم وقد ناقش فيه ( المصنف ) ( قدس سره ) بما في المتن مضافا إلى كونه في كلام الشّهيد الثاني اتفاقا منقولا وفي كلام المحقق الثّاني اتفاقا ظنيا منقولا فافهم خامسها عدم القول بالفصل بين البيع وغيره ويأتي فيه تتمة الكلام والعمدة هنا الوجهان الا ولان وما عداهما ان تم كان مؤيّدا هذا واعلم أن المحقق الثاني ( قدس سره ) يظهر منه التفصيل بين معاطاة البيع في القرض بإفادتها في الأول الملك دون الثاني فلا تفيد فيه سوى الإباحة قال ( رحمه الله ) في ( جامع المقاصد ) عند قول العلامة ( قدس سره ) في باب القرض ولا بد من إيجاب صادر عن أهله إلى قوله وقبول وهو ما يدل على الرضا قولا أو فعلا ظاهر عباراتهم انه لا بد من الإيجاب والقبول وعبارة كره أدل على ذلك ويرد عليه انه قد سبق في البيع الاكتفاء بالمعاطاة التي هي عبارة عن الأخذ والإعطاء فإذا اكتفى في العقد اللَّازم بالإيجاب والقبول الفعليّين فحقه ان يكتفى بهما هنا بطريق أولى ثم قال وليس ببعيد ان ( يقال ) انتقال الملك إلى المقترض بمجرّد القبض موقوف على