المامقاني
343
غاية الآمال ( ط . ق )
الأمر وان كان هو التفكيك فهو لازم على ما ذكره ( أيضا ) لأنه يصير مآل الحديث إلى أنه لم يعص اللَّه وانّما فعل ما يستحق به عقوبة المولى ومعلوم ان التفكيك يلزم بتغاير المعنيين وهو هنا موجود والاعتذار عنه بأنه لا يلزم التفكيك القبيح ( حينئذ ) للمناسب الظاهرة بين المعنيين لا يخفى ما فيه لان مجرد المناسبة لا يرفع التفكيك ولو سلمنا أن المناسبة الظاهرة ترفع قبح التفكيك وان لم ترفع أصله كما هو ظاهر كلامه قلنا إن المناسبة بين عدم العصيان وعدم الاستيذان مع قضاء العادة بلزومه ( أيضا ) ظاهره فيقال انه لم يعص اللَّه وانّما فعل ما لم يأذن فيه المولى مع لزوم استيذانه فيه وامّا ما ذكره أخيرا من أن المراد بالفقرتين هو انّه لم يفعل ما يوجب عقوبة ربه وانما فعل ما يوجب عقوبة سيّده ففيه ان توافق مغني اللفظين ليس أمر معتبرا لازما حتى يصرف لأجله اللفظ عن حقيقته فإذا ذكر لفظ في مقامين أريد به في أحدهما معناه الحقيقي لعدم الصارف وفي الأخر معنى مجازي لقيام قرينة على إرادته لم يكن مانع من ذلك وتسمية ذلك تفكيكا لو أراد به هذا المعنى لا يوجب بطلانه وان أراد بالتفكيك عدم مراعاة مقتضى المقابلة بين المعنيين وانه ركيك ففيه انّه كلما سلم بين المتخاطبين وقوع أمر وتوهم المخاطب شيئا وكان الواقع عند المخاطب خلافه صحّ للمتكلم إثبات الثاني في مقابلة نفى الأول فيصحّ للمتكلم ان يقول للمخاطب بعد مسلمية وقوع أمر وتوهم انه وقعت حجارة من السماء وكان الواقع في الحقيقة موت زيد لم تقع حجارة من السّماء ( صح ) وانما مات زيد وهذا واضح عند من له خبرة بطرق تأدية المقاصد ومن البين ان الأمر في الحديث على هذا المنوال لحكم جماعة من العامة ببطلان العقد المبنى على حرمته وليت شعري ما وجه القبح في قول القائل ان العبد ( حينئذ ) لم يعص اللَّه وانما فعل فعلا لم يأذن فيه المولى وعلى هذا فإذا أذن المولى وأجاز جاز العقد ولفظ الحديث مرادف لهذه العبارة فالوجه عندي ان معصية السيّد إنّما أريد بها عدم الأذن منه بقرينة ما سبقه من سؤال الراوي عن صورة عدم الأذن وما لحقه من قوله ( عليه السلام ) فإذا أجاز جاز وان المناسبة ما عرفت من أن مقتضى العادة لما كان هو لزوم الاستيذان وقد تركه صحّ التعبير عنه بالعصيان وإذ قد عرفت ذلك كله علمت أن كون الفعل بغير أذن من السيّد حراما انما هو من أحكام الفعل شرعا ولا مدخل له بنفس الموضوع فلا يتأتى من الحديث حرمته بل نقول إن الحديث يدل على أن العقد بنفسه قبل إجازة المولى ووقوع ترتيب الأثر من العبد عليه ليس حراما كما قالوا في الفضولي من عدم حرمة نفس العقد وانّ المحرم انّما هو تسليم المال ونحوه من آثار العقد وذلك لأنه ( عليه السلام ) حكم بأنه لم يعص اللَّه والحال ان معصية المولى معصية اللَّه فيصير المعنى انه لم يفعل محرما أصلا وانما فعل ما لم يأذن فيه السيّد وهو العقد وانه ليس محرما فإذا أجاز المولى جاز وعلى هذا البيان يصير هذا الحديث من أدلَّة جواز الارتكاب العبد للأمور الجزئية الزائدة على مقدار الحاجة من التعيش والا فليس للحديث مساس بما نحن بصدده لان كلامنا انما هو فيما زاد على القدر اللازم في التعيش مما ليس من الأمور الخطيرة ومعلوم ان النكاح باعتبار آثاره من الأمور الخطيرة فلا ربط للخبر المذكور بما نحن بصدده فالاستدلال به للقول بالحرمة كما صدر عن بعض من تأخر ليس في محلَّه إذ ليس في الحديث سوى التعبير بلفظ العصيان وقد عرفت انه لا يدلّ على الحرمة فافهم ثم إن في الحديث المذكور وما في معناه وجها أخر أفاده بعض الأواخر نظرا إلى أنه وما في معناه معارض بصحيح منصور عن أبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) عن مملوك تزوج بغير إذن مولاه أعاص للَّه ( تعالى ) قال ( عليه السلام ) عاص لمولاه قلت حرام هو قال ( عليه السلام ) ما أزعم انه حرام قل له ان لا يفعل فقد قيل إنه كالنص في إرادة خلاف الأولى مع سيّده من معصيته وانه ينبغي له ان لا يعقد بدون إذن سيّده وبه مع عدم القول بالفصل بينه وبين باقي العقود ونحوها قد تخص العمومات الناهية عن التصرف في مال الغير ان لم تنصرف إلى غير ذلك ودعوى اشتهار العمل بها على وجه يقصر الصحيح عن تخصيصها محلّ نظر سيّما مع عدم تعرض الأكثر لذلك ظاهرا أقول هذا الوجه وجيه بل أوجه مما قدمناه بعد ملاحظة صحيح منصور المذكور فإن الأخبار يكشف بعضها عن بعض ولا غائلة في التمسّك به من جهة اشتماله على لفظ الزعم الذي حكى فيه عن الأزهري ان أكثر ما يكون هو فيما يشك فيه ولا يتحقق وفي المصباح انّه قال بعضهم هو كناية عن الكذب وقال المرز وفي أكثر ما يستعمل فيما كان باطلا أو فيه ارتياب وقال ابن القوطية زعم زعما قال خبر إلا يدرى أحق هو أو باطل قال الخطابي ولهذا قيل زعم مطية الكذب انتهى لأن إرادة غير معنى الاعتقاد على تقدير ثبوت وضعه لما فيه ارتياب ونحوه غير مناسب لشأن المعصوم ( عليه السلام ) فصدور الكلام منه ( عليه السلام ) قرينة على إرادة الاعتقاد وقد صرح في المصباح بإطلاقه على الاعتقاد تنبيه ان سلم دلالة الحديث المذكور على إباحة إيقاع العبد للصيغة فهو والا فبعد إبطال ما استدل به على الحرمة لا يصير المعوّل إلا الأصل الذي ذكر ان مقتضاه الإباحة وقد استفيد من كلام ( المصنف ) ( رحمه الله ) وصاحب الجواهر ( رحمه الله ) الاستدلال على الإباحة في محلّ البحث بالسيرة لقيامها على اجراء حكم الإباحة على الأمور المذكورة ما لم ينه عنها المولى وقد يحتمل ان الإباحة فيها انما هي بشهادة حال المولى بالأذن ولكن لا يخفى عليك ان الأذن المدلول عليه بشهادة الحال ليس عاما لجميع الموالي فقد لا يشهد حال بعضهم بذلك بل كثيرا ما يشهد بخلافه ومن ذلك القبيل ما لو كان المولى بخيلا لا يرضى بقضاء حوائج الناس فلا يشهد حاله بالأذن بان يصير عبده وكيلا في إجراء العقود وإيقاع صيغ الإيقاعات ومنه ما لو كان المولى عاميّا فلا يشهد حاله بالإذن في ارتكاب عبده للمندوبات الموظفة في مذهب الخاصة وكذا العكس هذا وممّا يؤيد ما ذكرناه من أن مناط الحرمة في أفعال المملوك هو كون الفعل الصادر منه منافيا لخدمة مولاه لا مجرد كون المولى مالكا له بتمامه من لسانه وسائر جوارحه تعرض الفقهاء ( رضي الله عنه ) لعدم صحة صومه إلا بإذن المولى مع عدم تعرضهم للمنع من الصّلوات المندوبة في أبواب الصلاة وان كان قد يحتمل جواز العبادات المندوبة بأسرها من دون توقف على أذن المولى الا ان تخصيص بعضها بالذكر يعطى ما قلناه وكذا الحال في تعرضهم للمنع عما هو مثل الصوم في المنع من خدمة المولى كالحج وغيره قال في ( المبسوط ) في كتاب الصوم واما صوم الأذن فثلاثة أقسام أحدها صوم المرأة تطوعا بدون أذن زوجها فان صامت بغير أذنه لم ينعقد صومها وكان له ان يفطرها واما ما هو واجب عليها من أنواع الواجبات فلا يعتبر فيه أذن الزوج و ( كذلك ) المملوك لا يتطوع إلا بإذن سيّده ولا يعتبر أذنه في الواجبات انتهى وقال في كتاب الاعتكاف منه ولا يصحّ الاعتكاف ممن عليه ولاية إلا بإذن من له ولاية عليه كالمرأة ومع زوجها والعبد مع سيّده والمكاتب قبل كمال حريته والمدبر والأجير والضعيف إلا بإذن مضيفه لأنهم ممنوعون من الصوم تطوعا إلا بإذن من له ولاية عليهم والاعتكاف لا يصحّ الا بصوم انتهى وقال في موضع أخر منه ومن كان بعضه مملوكا وبعضه حرّا ما فإن جرى بينه وبين سيّده مهاياة بأن يكون له من