المامقاني
341
غاية الآمال ( ط . ق )
باطنا وأوقع الأخر عن كره كان لكلّ منهما حكمه فيصحّ في الأول ما أكره عليه بحق دون ما أكره عليه ( صح ) بغير حق وفي الثاني ما أوقعه عن رضا دون ما أوقعه عن كره قوله ومن شروط المتعاقدين إذن السيّد لو كان العاقد عبدا فلا يجوز للمملوك ان يوقع عقدا إلا بإذن سيّده لا يخفى ما في عبارة ( المصنف ) ( رحمه الله ) من شوب الإجمال لأن ظاهر قوله لا يجوز انما هو نفى الجواز الذي هو من الأحكام التكليفية لأن معناه المتعارف في السّنة المتأخرين وظاهر ما استدل به من قول أبي جعفر ( عليه السلام ) وأبي عبد اللَّه ( عليه السلام ) المملوك لا يجوز نكاحه ولا طلاقه إلا بإذن سيّده وانما هو نفى الحكم الوضعي لأن الجواز معناه في عرفه عامة العرب انما هو المضي وعليه جرى كلامه فيذيل الخبر حيث قال فهو شرعا بمنزلة العدم لا يترتب عليه الأثر المقصود منه وقد وقع من غيره ( أيضا ) ما ظاهر لفظه هو بيان الحكم التكليفي قال في القواعد وليس للمملوك ان يبيع أو يشترى إلا بإذن مولاه وعن شرحها انه فسر العبارة بأنه ليس يباح للملوك ان يبيع أو يشترى إلا بإذن مولاه والذي يظهر لي ان ( المصنف ) ( رحمه الله ) عبّر في صدر العبارة بقوله لا يجوز روما للتعبير عن المدلول عليه بما يفيده لفظ الدليل بل الظاهر أن نفى الجواز في عبارة ( المصنف ) ( رحمه الله ) وفي عبارة الحديث بمعناه اللغوي الذي هو نفى المضي يشمل الحكم التكليفي والحكم الوضعي فيصدق على المحرم انه غير ماض شرعا كما أنه يصدق على ما لا يترتب عليه الأثر انه غير ماض وكيف كان فينبغي تحرير الكلام تارة في الحكم التكليفي وأخرى في الحكم الوضعي فلا بد من رسم مقامين الأول في التكليفي وتفصيل القول فيه انه لا ريب ولا إشكال في حرمة مباشرة العبد للأمور العظيمة كالتجارة والسفر إلى البلاد وأقسام الاكتساب المعتبر فيها عمل أو زمان معتد به ونحو ذلك بدون أذن المولى حتى فيما لو لم يصدر منه النهى عن ذلك فيكفي في الحرمة مجرد الشك في الإذن كما أنه لا ريب ولا اشكال من جهة الحكم الوضعي في أن عبارة العبد ليست مسلوبة الأثر كعبارة الصّبي بحيث لا تكون قابلة لان يفيدها إذن المولى سابقا أو لاحقا ترتب الآثار عليها فهي قابلة للتأثير بانضمام الإذن إليها فذلك مما لا كلام فيه وانّما الكلام في إباحة الأفعال الجزئية الزائدة على قدر الضرورة كالتكلم بما زاد عن قدر الحاجة وإيقاع لفظ الصّيغة وكالة عن غيره والمشي زيادة على القدر اللازم المحتاج إليه ونحو ذلك فالَّذي أفاده ( المصنف ) ( رحمه الله ) فيما يأتي في طي كلامه هو منع حرمة تلفظه بألفاظ العقد ونحوه من التصرفات الجزئية استنادا إلى السيرة على مكالمة العبيد ونحو ذلك من المشاغل الجزئية وفي الجواهر نفى البعد عن حرمة التصرفات المذكورة في باب دين المملوك قال عند قول المحقق ( رحمه الله ) لا يجوز للمملوك ان يتصرف في نفسه بإجازة ولا استدانة ولا غير ذلك من العقود ولا بما في يده ببيع ولا هبة إلا بإذن سيّده ولو حكمنا بملكه لما عرفته سابقا من كونه محجورا عليه وانه لا يقدر على شيء بل لا يبعد عدم جواز التصرف له في نفسه لنفسه بما يزيد على ضروريات تعيشه وما علم من السّيرة وغيرها من عدم تسلط المولى على منعه منها من بعض حركات بدنه ونحوها كالعلم بعدم توقف الرخصة في بعض الأحوال له على إذن السّيد بل الظاهر أنها رخصة شرعية حتى ينهاه السيّد هذا ما أهمنا من كلامه ( رحمه الله ) وعن أنوار الفقاهة الحكم بالحرمة حتى في الأفعال القلبية الا انه نفى البعد عن استثناء الأفعال القلبية الَّتي هي من قبيل الخيرات كالتفكر في نظم الأمور الَّتي هي من الخيرات أو في المسائل العلميّة ونحو ذلك وحجته على ذلك ان لسان العبد وقلبه وسائر جوارحه مملوكه للمولى والتصرف في مال الغير بدون إذنه حرام والمسئلة غير محررة في كلمات أعيان الفقهاء ( رضي الله عنه ) صريحا والذي يمكن أن يكون مستندا للقول بالحرمة انما هو كونه تصرفا في ملك الغير بغير إذنه ضرورة أن لسانه وغيره من جوارحه ملك لمولاه فلا يجوز له التصرف فيها إلا بإذنه وما أشار إليه صاحب الجواهر ( رحمه الله ) من قوله ( تعالى ) : « عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ » بتقريب ان نفى القدرة على شيء بعد صرفه عن معناه الأصلي يعطي عدم كونه مأذونا فيه وعدم كونه مما يترتب عليه الأثر فيفيد الحكم التكليفي الذي هو هنا الحرمة والحكم الوضعي الذي هو الفساد والعمومات الناطقة بحرمة التصرف في مال الغير ورواية زرارة عنهما ( عليه السلام ) المذكورة في كلام ( المصنف ) ( رحمه الله ) بناء على صحة كونها دليلا برأسها في أرض الآية كما يكشف عنه ما فعله ( المصنف ) ( رحمه الله ) وبعض من تبعه وقول أبي جعفر ( عليه السلام ) في رواية أخرى لزرارة انه لم يعص اللَّه وانما عصى سيده بتقريب انه عبر عن فعله بغير إذن سيده بالعصيان ومعلوم ان عصيان العبد لسيّده حرام واما نفى عصيانه للَّه فإنما هو باعتبار انه ليس عصيانا للَّه ابتداء وليس من الأمور التي نهى اللَّه ( تعالى ) عنها بخصوصياتها وعناوينها فلا ينافي عروض التحريم وكونه معصية للَّه باعتبار كونه عصيانا للسيّد وقد يناقش في الأول بأن حرمة التصرف في مال الغير عقلي والعقل لا يحكم بالحرمة إلا في الأشياء الخطيرة التي يوجب التصرف فيها الضرر على المالك دون الأمور اليسيرة كالاستناد إلى حائط الغير والاستظلال بظله مع عدم نهى المالك واما مع نهيه فالمشبه به ( أيضا ) محرم وعلى هذا فيرجع في الأمور اليسيرة إلى الأصل الإباحة فليس حال العبد الا مثل حال الحر الذي هو مملوك للَّه ( تعالى ) والأشياء الغير الضرورية للعيش التي ليس فيها أمارة المضرة والمفسدة مباحة في حقه من جهة حكم العقل بالإباحة وفي الثاني بأن الخطابات الدالة على حرمة التصرف في مال الغير انما هي من قبيل المطلقات وهي لا تنصرف إلى أمثال التصرفات المذكورة كما لا يخفى على المتأمل المنصف الا ترى ان من سمع الخطابات المذكورة لا ينتقل ذهنه منها إلى حرمة تكلم العبد مع غيره بدون إذن سيّده أو الأذكار المندوبة أو مجرد إيقاع الصّيغة وكالة عن غيره أو تناول يد من عثر فأشرف على الوقوع في ماء أو نحوه وأمثال ذلك وعلى هذا فلا بدّ فيما خرج عن تحت الإطلاقات المذكورة من الرجوع إلى أصالة الإباحة وفي الثالث بان المنساق منه انّما هو الحكم الوضعي دون الحكم التكليفي وقد وقع دعواه في كلام بعض المعاصرين وفي الرابع بان مجرد التعبير بلفظه عصى لا يفيد كونه محرما إذ ليس متعلق العصيان هو اللَّه ( تعالى ) حتى يكون حراما وانما متعلقة السّيد والمفروض في الحديث انه لم يصدر من السيّد نهى عن نكاحه وانما فعل فعلا بغير إذنه والعصيان بهذا المعنى ليس مما يسلم حرمته فينتجه المنع على كلية الكبرى وهي ان عصيان السيّد بالمعنى المذكور عصيان للَّه ( تعالى ) فيقال ان حرمة اقدام العبد على الفعل بدون أذن من السيّد ( مطلقا ) بحيث تشمل الأفعال اليسير الجزئية أوّل الكلام فمعنى الحديث انه انما فعل فعلا غير مأذون فيه فإذا حصل منه الإذن بعد ذلك جاز لعدم الفرق بين الإذن السابق والإذن اللاحق هيهنا ومن المعلوم ان مجرد التعبير بلفظ العصيان لا يوجب كونه حراما شرعا كما في قوله ( تعالى ) : « وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى » فهنا أولى لأن مفعول عصى في الآية هو الرب ومفعوله في الحديث هو السيّد وإذا لم يكن التعبير بلفظ معصية الرب مستلزما للحرمة فالتعبير بلفظ معصية السيّد أولى وقد صرّح الفاضل القمّي ( رحمه الله ) بكون المراد بمعصية السيّد في الحديث