المامقاني

314

غاية الآمال ( ط . ق )

المعوّل عليه في المقام انما هي البراءة ومقتضاها لزوم أقل القيم من حين القبض إلى حين التلف الا انه يبقى هنا اشكال وهو ان لزوم ذلك دون غير مخالف لجميع الأقوال المأثورة في المسئلة ويمكن دفعه بان تحقق الإجماع المركب المستلزم لنفى ما عدا ما تحقق من الأقوال ممنوع لاستناد كل منهم إلى وجه اعتباري ناظر إلى إثبات مدعاه ولم يعلم من حالهم نفى ما زاد على الأقوال ويمكن دفعه بوجه أخر على تقدير تحقق الإجماع المركب بما ذهب إليه صاحب الفصول ( رحمه الله ) من أنه إذا لزم من العمل بالأصول مخالفة العلم الإجمالي فلا بأس بذلك لكونه حكما ظاهريا ومخالفة الحكم الظاهري للواقع ولما هو المعلوم إجمالا غير قادحة وإذ قد عرفت ذلك فلنذكر حجج الأقوال وان تقدم الإشارة إلى بعضها فحجة القول الأول ان الضمان قبل التلف أمر معلَّق لا تنجز له وانما يتنجز بالتلف وحجة القول الثاني انه كما أن أصل العين مضمون ( كذلك ) زيادتها ومقتضى الاشتغال وجوب الخروج عن العهدة وان القابض للمبيع بالبيع الفاسد كالغاصب المأخوذ بأشق الأحوال وحجة القول الثالث ان يوم القبض وقت تعلق الخطاب بالخروج عن العهدة وان كان ترتيبا فالقبض هو السّبب في الضمان فيعتبر وقته مضافا إلى خبر البغل المتمّم بعدم القول بالفصل بين مورده الذي هو الغصب وبين المقام وحجة القول الرابع ان المضمون لا بد وأن يكون أمرا متأصلا متسلطا عليه وليس إلا الزيادة العينية واما زيادة القيمة السّوقية فهي أمر اعتباري فلا تضمن مضافا إلى دعوى دلالة خبر البغل عليه وحجة القول الخامس ان ضمان القيمي انما هو بالمثل ابتداء وبتعذره عند الأداء ينتقل إلى القيمة فلا بد من اعتبار وقت الانتقال إلى القيمة وحجة القول السادس اما على ضمان قيمة يوم البيع في غير ما استثناه القائل فهي حجة القائل بلزوم قيمة يوم القبض واما على وجوب اتباع حكم المشترى لو حكم بالأكثر واتباع حكم البائع لو حكم بالأقل فهي ان الحق إليهما فيصح منهما البذل والعفو قوله اما بإضافة القيمة المضافة إلى البغل إليه ثانيا يعني قيمة يوم المخالفة للبغل فيكون إسقاط حرف التعريف من البغل للإضافة محصّل هذا الوجه بعد ملاحظة حكمه بإضافة القيمة المضافة إلى البغل إلى يوم المخالفة ثانيا وملاحظة ان إسقاط حرف التعريف من البغل للإضافة هو ان المضاف والمضاف إليه بعد اعتبار إضافة الأول إلى الثاني أضيفا إلى يوم المخالفة وليس في كلمات النحاة تنبيه على ذلك بل هو مما يأباه كلماتهم كما لا يخفى على من تدبر قوله واما ما احتمله جماعة من تعلق الظرف بقوله نعم القائم مقام قوله ( عليه السلام ) يلزمك يعنى يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل فيكون هذه الفقرة على هذا التقدير ساكتة عن تعيين كون قيمة البغل عبارة عن قيمة يوم المخالفة أو قيمة يوم التلف أو على القيم أو غير ذلك وانما تفيد ثبوت اللزوم في يوم المخالفة من دون إفادة أمر أخر ثم إن الاحتمال المذكور مما قد عثرت عليه في مفتاح الكرامة والجواهر والمستند وغيرها قال في الجواهر بعد الاستدلال في الصّحيح لضمان قيمة يوم الغصب ما لفظه وفيه احتمال تعلق الظرف بالفعل المدلول عليه بقوله نعم فيكون المراد يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل لو عطب بمعنى انها تتعلق بك ذلك اليوم و ( حينئذ ) فحدّ القيمة غير مبين فيه فلا ينافي ما دل على القيمة يوم التلف الذي عرفت انه الأصحّ انتهى قوله لأن السائل إنما سئل عما يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة بعد العلم بكون زمان المخالفة زمان حدوث الضمان كما يدلّ عليه أرأيت لو عطب البغل أو نفق أليس كان يلزمني فقوله نعم يعنى يلزمك بعد التلف بسبب المخالفة قيمة بغل يوم خالفته أما دلالة قوله أليس كان يلزمني ذلك على علم المتكلم الذي هو السائل باللزوم عليه بعد التلف بسبب المخالفة فلا اشكال فيه لان مثل هذا الاستفهام انما يقع في مقام العلم بثبوت ما تعلق به أداة النفي الواقعة في خير الاستفهام كما في قوله ( تعالى ) : « أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ » ولهذا يقع هذا النوع من الاستفهام في مقام التقرير واما ان السائل قد سئل عما يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة بعد العلم بكون زمان المخالفة زمان حدوث الضمان ( فالظاهر ) انه انما استفاده ( رحمه الله ) من كون أصل اللزوم معلوما فلا يبقى وجه للسئول عنه فيجب صرفه إلى السؤال عما يلزم من حيث إن السؤال عن أصل اللزوم بعد العلم به لغو و ( لكنك ) خبير بان لفظ السؤال لا يساعد على تعلقه بما يلزم أصلا وانما هو مسوق لاستعلام أصل اللزوم ضرورة ان الضمير في قوله ا ليس كان يلزمني يعود إلى البغل والمعنى ألم يكن البغل يلزمني على تقدير التلف بسبب المخالفة ومعنى لزومه انما هو لزوم قيمته فيصير السؤال سؤالا عن نفس لزوم القيمة لا سؤالا عن تعيين اللازم لعدم دلالة اللفظ على ذلك أصلا نعم لو كان الفاعل للفعل ما وقع التردد بين كونه فاعلا وبين كون غيره فاعلا كما لو قال ا قام زيد أو أليس قام زيدا فيما لو كان أصل صدور القيام من فاعل مسلما وكما في قوله ( تعالى ) : « أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ » الواقع في مقام التقرير بكون اللَّه تعالى هو ربهم بعد معلومية ان لهم ربا صح توجه الاستفهام على وجه التقرير أو غيره إلى تعيين الفاعل ولكن ليست عبارة الحديث على هذا المنوال إذ ليس هناك تردد بين لزوم البغل بالمعنى الذي عرفت وبين لزوم غيره نعم لو كان السائل قد قال أليس كان يلزمني قيمة يوم المخالفة كان مجال لان يقال إن السؤال عن تعيين اللازم من جهة تردده بين قيمة يوم المخالفة وبين قيمة يوم التلف وغيرهما وكذا لو كان السائل قد قال فما الذي يلزمني كان سؤالا عن اللازم ثم إن النكتة في التعبير في السؤال بعبارة العالم بالمسؤول عنه هو ان السائل لما كان قد سمع من أبي حنيفة قوله فخالف فركبه إلى النيل والى بغداد فضمن فيه البغل وأسقط الكراء وقد سمع من المعصوم ( عليه السلام ) بطلان حكمه بسقوط الكراء وقع في نفسه وسوسة من نفس ضمان البغل فأراد تقرير ما قد علم سابقا بعد حصول الوسوسة في قلبه فسئل بقوله ا ليس كان يلزمني وغاية ما في الباب ان المعصوم ( عليه السلام ) أفاد تقرير المسؤول عنه مع زيادة التفضل ببيان تعيين القيمة الَّتي تلزمه ولا مانع منه عقلا ولا عرفا كما لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام ولكن لا يخفى عليك إنا لا ننكر مع ذلك ظهور كون قوله ( عليه السلام ) يوم خالفته قيدا للقيمة والنكتة في تنكير لفظ بغل المضاف إليه لفظ القيمة هو الجريان على المتعارف من أن القيمة للشيء التالف أو غيره انما يستعملها أهل الخبرة بقياسه إلى أمثاله والا فالشيء الخاص الذي هو جزئي حقيقي ليس له قيمة مرسومة مقررة عندهم ومحصّل المقال في هذا المقام هو ان الفقرة المذكورة من الحديث ظاهرة فيكون المناط هي قيمته يوم المخالفة الذي هو يوم الغصب وهذا هو الذي يجب الأخذ به لكونه مدلول الخبر الصّحيح الظاهر في المطلوب وقد أفتى به جماعة بل قيل إن القائلين بهذا القول هم الأكثر ولا عبرة بالقواعد العامة مع ورود الخبر