المامقاني
302
غاية الآمال ( ط . ق )
التي يعمّ بها البلوى ما يزيد عليه في شدة الحاجة إليه ومع ذلك أطلق الشارع الضمان في كثير عن الموارد كالمغصوبات والأمانات وغيرها ولم يتعرض لبيان ان الضمان بالمثل أو بالقيمة أو بغيرهما فيعلم من ذلك أنه ( عليه السلام ) حيث قال على اليد ما أخذت حتى تؤدى أحال أمر رعيّته على ما هو المتعارف بينهم مما يضمنون ويضمنون به ومن المعلوم من عادتهم الجارية على مر الدهور المستقرّ عليها سيرتهم ان من أتلف شيئا من مال غيره ثم أدّى ما يماثله ومع تعذره أدى قيمة التالف رضى المالك بذلك وكف عن المطالبة كائنا ما كان المال المتلف من قيمي على مصطلح الفقهاء أو مثلي وحيث ثبت للناس عادة مستقرة وطريقة مستمرة ولم يصدر من الشارع بيان ما يخالفها كان للازم اتباعها والا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وهذه قاعدة كلَّية سارية في كل ما ثبت للناس طريقة مستمرة ولم يبين الشارع خلافها مع الحاجة إلى البيان فيتبع الا ان يأتي من قبل الشارع مخرج عنه وكذا الحال في سائر الأخبار المطلقة الناطقة بالضمان بل لنا ان نقول إنه يستفاد ما قررناه من لفظ الشارع الذي هو من قبيل الموضوع المستنبط دون الموضوع الصرف وذلك لأنا إذا عرضنا قوله ( عليه السلام ) على اليد ما أخذت حتى تؤدى على أهل التعارف لم يفهموا منه الأداء ما يماثله من جميع الجهات على ما وصفناه ابتدأ ومع تعذره فاللازم أداء القيمة فقوله ( عليه السلام ) حتى تؤدى يفيد ذلك بدلالته العرفية لأن ما ذكر أقرب شيء إلى التالف في المقامين بحيث يمكن ان يقال عرفا انه هو عين ذلك التالف بل يمكن ان يقال إنه بعد البناء على كون الحديث مسوقا لبيان ضمان المتلف بخصوصه أو لبيان ما يشمله بأن يكون مسوقا لبيان رد ما هو باق في يده ورد بدل التالف جميعا لا يعقل بالنسبة إلى التالف إلا إرادة ما هو أقرب إليه بحسب المقام الذي يلزمه الخروج عن عهدة التالف لان قوله ( عليه السلام ) حتى تؤدى قد حذف منه الضمير المنصوب العائد إلى الموصول الذي هو عبارة عن المال المقبوض هذا وعلى هذا القياس الآيات الواردة في هذا الباب لاشتمالها على لفظ المثل الذي لا بد من أن يحمل على ما هو مماثل لذلك الشيء التالف في كل مقام بحسبه من المثل أو القيمة عند تعذره دون ما هو المصطلح عليه فيما بين الفقهاء ( رضي الله عنه ) قال اللَّه ( تعالى ) : « فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » وقال ( تعالى ) : « وإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ » وقال ( تعالى ) : « وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها » ودعوى ان ما مصدرية أو انها موصولة ولكنها عبارة عن المعنى المصدري خلاف ( الظاهر ) مضافا إلى أن يمكن الاستدلال على ما ادعيناه من ضمان المثلي بمثله بقوله ( عليه السلام ) الميسور لا يسقط بالمعسور بل يمكن الاستدلال به على ضمان ماله مثل من القيمي ( أيضا ) بمثله كما هو الحال في سائر الأدلَّة المذكورة هذا وربما يستأنس لذلك بما أشار إليه ( المصنف ) ( رحمه الله ) من فتوى جماعة منهم الشّهيدان ( رحمه الله ) في ( الدروس ) و ( المسالك ) بجواز رد العين المقترضة إذا كانت قيميّة وبما أفاده كلام المحقق ( رحمه الله ) في كتاب القرض من ( الشرائع ) حيث قال وكل ما يتساوى اجزاؤه يثبت في الذمة مثله كالحنطة والشعير والذهب والفضة وما ليس ( كذلك ) يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم ولو قيل يثبت مثله ( أيضا ) كان حسنا انتهى ولهذا نسب إليه في محكي ( الدروس ) و ( المسالك ) الميل إلى كون ضمان القيمي بالمثل بل في الثاني انه لعله أفتى به وبما استقر به في التذكرة من ضمان القيمي المنضبط بالوصف بمثله فإنه ( رحمه الله ) فصل بينه وبين غير المنضبط بالوصف قال ( رحمه الله ) مال القرض ان كان مثليا رد مثله إجماعا فإن تعذر المثل وجب رد قيمته عند المطالبة وان لم يكن مثليا فإن كان مما ينضبط بالوصف وهو ما يصحّ السّلف فيه كالحيوان والثياب فالأقرب أنه يضمنه بمثله من حيث الصّورة لأن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) استقرض بكرا فرد بازلا والبكر الفتى من الإبل والبازل الذي تم له ثمان سنين انتهى وبما أفتى به فقهاؤنا من جواز إقراض الخبز وثبوت مثله في الذمة قال في التذكرة يجوز إقراض الخبز عند علمائنا وهو أحد قولي الشافع وبه قال أبو يوسف ومحمّد وأحمد بن حنبل للحاجة العامة إليه واطباق الناس ولان صباح بن سيابة سئل الصّادق ( عليه السلام ) إنا نستقرض الخبز من الجيران فيه أصغر وأكبر فقال ( عليه السلام ) نحن نستقرض الجوز الستين والسّبعين عددا وفيه الصّغير والكبير فلا بأس إلى أن قال يجوز رد مثله عددا أو وزنا انتهى ولا يخفى عليك ان صحة الفرض في مثل الخبز تعطي ان الأمر في القرض أوسع من السّلم لعدم صحّة الإسلاف في الخبز مع صحة القرض فيه ثم إن هذه وان كانت مما ثبت بالنص الا ان المستفاد منه هو ان الشارع قد اكتفى بالمثل العرفي حتى فيما هو من قبيل القيمي عند الفقهاء وليس في نظره مثل خاص وبما ذكره المحقق ( رحمه الله ) في كتاب الصّلح من أنه لو أتلف رجل ثوبا قيمته درهم فصالحه عنه على درهمين أو أقل صحّ على الأشبه لأن الصّلح وقع عن الثوب لا عن الدرهم انتهى وقد فهم منه الشهيد الثاني ( رحمه الله ) تبعا لجامع المقاصد والدروس كون ضمان القيمي بالمثل فيكون الثابت في الذمة ثوبا ويكون هو متعلق الصّلح دون الدّرهم حتّى يلزم الربا من معاوضته بالدرهمين وان كان صاحب الجواهر ( رحمه الله ) ذكر ما يعطى المنع من دلالة العبارة على ما فهموه في شرحها وبما ذهب إليه جماعة من فقهائنا من أنه لو أتلف القيمي لزمه دفع قيمة يوم الأداء لا قيمة يوم التلف وهذا لا يتم الا بان يقول بضمان القيمي بالمثل حتى يبقى المثل على ذمته فينتقل إلى القيمة يوم الأداء والا أمكن ان يقال إن الانتقال إلى القيمة يحصل بمجرد التلف فيلزمه أداء قيمة يوم التلف دون غيره هذا ويؤيد ما ذكرناه كلام العلامة ( رحمه الله ) في التذكرة الذي حكيناه في ذيل ما اخترناه من تحديد المثلي وبينا انه يلوح منه ذلك فراجع وان كان ذلك الكلام مسوقا لوجوب المثل في المثلي والقيمة في القيمي وهو خلاف ما نحن بصدده هنا من وجوب المثل ( مطلقا ) الا ان كلام في نفسه حق وان كان الغرض الذي دعاه إلى هذا الكلام لا يترتب عليه فافهم ويظهر أثر ما ذكرناه في المثل من اعتبار التساوي في القيمة ( أيضا ) فيما لو زاد أو نقص القيمة بتفاوت الأزمنة أو الأمكنة كما لو أتلف ماء غيره في طريق مكة وأراد دفع ما يساويه في المقدار في شاطئ الفرات أو دجلة مثلا فإنه لا يكون مثله على ما ذكرناه بخلاف ما ذكره الأصحاب فإنه يعد مثلا له وحاصل جميع الأدلة المتقدمة كون التلف ( مطلقا ) مثليا كان التالف أم قيميّا موجبا للضمان بالمماثل في جميع الصّفات سواء كانت من الصّفات الموجبة لزيادة القيمة أم كانت مما يوجب مجرد الكمال في الموصوف وكذا في القيمة ويجعل هذا أصلا في المقام يتمسّك به في موارد الشك ممّا لم يقم إجماع على كون المضمون فيه القيمة هذا ولكن يشكل الأمر بأن الالتزام بمقتضى الأصل المذكور خلاف الإجماع لإجماعهم على أن القيمي إذا اتفق له مماثل ليس الحكم فيه ضمانه بمماثلة