المامقاني

269

غاية الآمال ( ط . ق )

عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ » وكل من يثبت يده على مال الغير ولا حق له في إمساكه وكان المال باقيا وجب عليه ردّه على مالكه بلا خلاف لقول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على اليد ما أخذت حتّى تؤدى ولان حق المالك متعلَّق بماليته وماليته لا تتحقق الا بردّه إليه انتهى وثانيهما ما يفيده كلام الفاضل النراقي ( رحمه الله ) في العوائد من أن المراد به وجوب حفظ المال إلى أن يرده إلى مالكه نظرا إلى أن تقديره الحفظ هنا متعين فيلزمه دلالته على بيان الحكم التكليفي الَّذي هو الوجوب لكن متعلقا بالحفظ دون الرّد وذلك لقيام القرينة في متنه على ذلك فانّ التقييد بالغاية أعني قوله ( عليه السلام ) حتى تؤدى إنما يلائم كون الحكم هو وجوب الحفظ إلى حين الأداء ولا يلائم كون الحكم هو ثبوت الضمان إلى حين الأداء ولا وجوب الأداء إلى حين الأداء وذلك لان عائد الموصول محذوف وهو مفعول أخذت وكذا مفعول تؤدّى فالتقدير انّه على اليد ما أخذته حتّى تؤديه أي خصوص ذلك الشيء الَّذي أخذته فعلى تقدير الضمان يصير المعنى على اليد ضمان ذلك الشيء حتى تؤديه وهذا لا يتم في صورة التلف لأن أداء المتلف محال والمثل والقيمة ليسا عين ذلك الشيء فيتعين تقدير الحفظ بهذه النكتة فيصير محصله إيجاب حفظ المال الذي أخذه إلى حين الأداء فلا يدلّ على الضّمان ولا بأس بأن نذكر كلامه ( رحمه الله ) بعينه فنقول قال وإذا عرفت ذلك نقول الاستدلال بالحديث على ضمان المثل أو القيمة بعد التلف انما هو على فرض تقدير الضمان الشامل لردّ العين مع البقاء والمثل أو القيمة مع التلف ولا دليل لهم على تعيينه أصلا فإن قيل استدلال الفقهاء واحتجاجهم على الضمان خلفا بعد سلف وفهمهم ذلك دليل على أنه كان لهم قرينة على تقديره وان خفيت علينا قلنا مع أنه لم يعلم ذلك من جميع الفقهاء ولا أكثرهم وان علم من كثير منهم وليس ذلك من الأحكام الشرعية التي يحكم فيها بالاتفاق بضميمة الحدس والوجدان ولا يصلح عمل جماعة دليلا لشيء ولا يدل على انّه لقرينة تقدير الضمان بل لعله لاجتهادهم تقدير جميع المحتملات عند عدم تعيين المقدّر أو لمظنة شيوع تقديره أو لدليل اجتهادي أخر فإن قيل المتبادر من هذا التركيب إثبات الضمان قلنا ممنوع جدا ولو راجعت إلى أمثال هذه التراكيب التي ليس الذهن فيها مسبوقا بالشّبهة يعلم عدم التبادر مع أنه على فرض التّسليم لا يفيد لأصالة تأخر حدوث التبادر حيث إن ذلك ليس من مقتضى الوضع اللغوي لهذا التركيب فان قيل ليس هنا شيء أخر يصلح أن يكون غايته الأداء إلا الضمان لعدم إمكان غيره عند التلف فيجب تقدير الضمان الَّذي يمكن ثبوته في صورتي بقاء العين وتلفها فمع البقاء يؤدّى العين ومع التلف المثل أو القيمة قلنا أداء المثل أو القيمة ليس أداء ما أخذت بل أداء شيء أخر فلا يكون حتى تؤدّى غاية للضمان في صورة التلف أيضا فإن مقتضى تقدير المفعول أن يكون مفعول تؤدّى أو نائب فاعله على تقدير كونه بصيغة المجهول ما يرجع إلى الموصول أي ما أخذت ومعنى أداء ما أخذت أداء عينه دون المثل أو القيمة بل إطلاق الأداء على الغير غير صحيح فلا يتحقق أداؤه في صورة التلف أصلا وعلى هذا تكون الرّواية لبيان حكم صورة البقاء ولا يعلم منه حكم صورة التلف ولا يلزم ان يستفاد من كلّ حديث حكم جميع صور الواقعة ولما لم يكن لتقدير الرّد أو الأداء معنى سليس إذ ليس قولك يجب أداء ما أخذ أورده حتى تؤدّى بسليس فالأظهر تقدير الحفظ من الضياع والتلف أو نحوه وعلى فرض عدم تعين تقدير ما أخذت للمفعول فلا شك في إجماله ومعه فالحكم بتقدير الضمان غير موجّه قطعا فلا دلالة في الرّواية على ثبوت ضمان المثل أو القيمة بل في دلالته على وجوب أداء العين مع البقاء نظر لان الاستدلال له بها امّا لأجل تقدير الأداء أو الرّد وهو غير معلوم لجواز تقدير الحفظ ونحوه فيكون معنى الحديث يجب على ذي اليد حفظ ما أخذت إلى زمان أدائه أو لأجل قوله حتّى تؤدّى ولا دلالة له أيضا لأن وجوب الحفظ مثلا إلى زمان الأداء لا يدل على وجوب الأداء كما إذا قال ( الشارع ) عليك بقصر الصّلوة في السفر حتّى تدخل الوطن فإنه لا يدل على وجوب دخول الوطن أصلا ومنه يظهر عدم تماميّة الاحتجاج بها على وجوب ردّ العين أيضا وان كان ذلك ثابتا بأدلة أخرى انتهى فقد استظهر تقدير الحفظ وقد عرفت ان لازمه بيان الحكم التكليفي لكن لا على الوجه الَّذي أفاده الشيخ والعلامة قدس سرهما وامّا قوله بعد ذلك وهو غير معلوم لجواز تقدير الحفظ ونحوه فإنّما هو في مقام المسامحة مع الخصم بإبداء الاحتمال على خلاف ما يحكم بتعينه وقد وقع منه في طي كلامه ما هو رد على كلام الشّيخ والعلامة على زعمه هذا ومن تأمل فيما ذكرنا من عبارته وأسرنا إليه في ذيلها علم أن ما نسبه إليه بعض من تأخر عنه نشا من عدم الوصول إلى مقصوده وذلك أنه قال زعم بعضهم ان الخبر لا يدل الا على ضمان العين مع بقائها وامّا على ضمان المثل أو القيمة عند التلف فلا نظرا إلى أن ظاهر كلمة ما أخذت انما هو الشيء المأخوذ بنفسه ومفعول تؤدى محذوف راجع إلى ما أخذت فيكون مضمون الرّواية ضمان العين حتّى تؤدّى إلى صاحبها ولا دلالة فيها على شيء من المثل أو القيمة لو تلفت بل لا دلالة فيها على صورة التلف بشيء من الدلالات مضافا إلى أن دفع المثل أو القيمة ليس أداء لما أخذت فكيف يدخل تحت الرّواية ثم قال وهذا الكلام مختل النّظام وان صدر عن المعاصر النراقي ( رحمه الله ) لأنه بعيد عن مذاق الفقه والعرف لأنا إذا بيننا في فهم الخبر على ملاحظة صرف العرف من دون التفات إلى قوانين الشّرع وقرائن كلام ( الشارع ) لدل على ذلك فضلا عن ملاحظة القرينة نظر إلى أن المراد بالضمان عند الناس وعند أهل العرف ليس الا هذا المعنى إذ ليس للضمان معنى جديد في الشرع فإن أهل العرف مع قطع النظر عن الشرع إذا أرادوا تضمين مال بشخص لا يريدون الا انه يردّ عينه مع وجوده ويدفع بدله وهو ما يقوم مقامه مع تلفه أو تعذر ردّه ونحو ذلك وهذا شيء واضح لا سترة فيه هذا كلامه ولكنه قد أخطأ في فهم كلام من حكى عنه وبعد ذلك نقول إن ما ذكره الفاضل النراقي ( رحمه الله ) بعد ما عرفت من تفسير ؟ ؟ ؟ غير صحيح فإنا نسلم ان الضمير المنصوب بقوله ( عليه السلام ) حتى تؤدّى المحذوف من اللفظ يعود إلى الموصول أعني ما أخذت ومع ذلك نقول إن الحديث يدل على أداء بدل المال بعد تلفه وذلك لأن الضمان عبارة عن كون الشيء على عهدة شخص بمعنى انه يلزمه الخروج عن عهدته لو تلف وان شئت قلت يلزمه الخروج عن عهدة تلفه وهذا المعنى الكلي الذي هو كون الشيء بحيث يلزمه الخروج عن عهدة تلفه يحصل للعين المأخوذة بمجرّد الأخذ ويستمر إلى أن يتحقق الغاية الَّتي هي أداء نفس العين ولا يتفاوت الحال بين بقائها وتلفها لأنها إذا تلفت تحت