محمد أمين الإسترآبادي / السيد نور الدين العاملي

49

الفوائد المدنية والشواهد المكية

البديهيّة ليس بمستحسن ، فالفقهاء ظنّوا أنّ ذلك الباعث جار هنا ، وليس كذلك ، لأنّه ليس شيء من الأحكام الشرعيّة بديهيّاً بمعنى أنّه لا يحتاج إلى دليل ، والسبب في ذلك أنّ كلّها محتاج إلى السماع من صاحب الشريعة . وبالجملة : وضوح الدليل لا يستلزم بداهة المدّعى . وذكر السيّد السند العلاّمة الأوحد السيّد جمال الدين محمّد الإسترابادي ( قدس سره ) في شرحه ( 1 ) : هذا جواب سؤال مشهور وهو : أنّ العلم هو التصديق اليقيني والتصوّر ، والفقه من باب الظنون فكيف يصحّ أخذ العلم في تعريفه ؟ وملخّص الجواب : أنّ الفقه من أقسام العلم وإن وقع في مقدّماته الظنّ ، وتحرير المقام : أنّ المجتهد بعد ما تعلّق ظنّه بحكم يرتّب دليلا هكذا : هذا ما تعلّق به ظنّ المجتهد ، وكلّ ما تعلّق به ظنّ المجتهد واجب العمل ، ويأخذ نتيجته وهو قولنا : هذا واجب العمل ، والمقدّمتان قطعيّتان . أمّا الأُولى : فلأنّها وجدانية كإدراكنا الجوع والعطش . وأمّا الثانية : فهي إجماعيّة ، هكذا قالوا . وفيه بحث ، لأنّ المقدّمة الثانية قد أُورد عليها أنّ الإجماع لا يفيد إلاّ الظنّ في هذه الصورة . وأُجيب عنه بأنّ هذه المقدّمة متواترة بالمعنى فهي يقينيّة ؛ هكذا قال صاحب التلويح ( 2 ) انتهى كلامه . أقول : توضيح المقام : أنّه كان الشائع بين علماء العامّة التمسّك بآيات وروايات ظنّيّة من جهة الدلالة أو من جهة المتن في جواز العمل بظنّ المجتهد المتعلّق بنفس أحكامه تعالى ، ولمّا وصلت النوبة إلى ابن الحاجب وتفطّن بأنّ هذا التمسّك يشتمل على دور بيّن واضح أحدث دليلا آخر قطعيّاً بزعمه ، وهو أنّا نعلم بالتواتر أنّ الصحابة الكبار عدلوا عن الظواهر القرآنيّة المانعة عن العمل بظنّ المجتهد المتعلّق بنفس أحكامه تعالى ، ولنا مقدّمة عاديّة قطعيّة هي أنّ مثل هذا العدول لم يقع عن

--> ( 1 ) أي في شرحه على تهذيب الوصول للعلاّمة الحلّي ( قدس سره ) . ( 2 ) التلويح لسعد الدين التفتازاني المتوفّى سنة 792 ، لا يوجد عندنا هذا الكتاب .