محمد أمين الإسترآبادي / السيد نور الدين العاملي
353
الفوائد المدنية والشواهد المكية
اعلم أنّ هنا فائدة لابدّ قبل الشروع في المقصود من الإشارة إليها ، وهي : أنّ المشهور بين الطلبة أنّه لا يجوز تفسير القرآن بغير نصّ وأثر ، حتّى قال الشيخ أبو عليّ الطبرسي - قدّس الله سرّه - في تفسيره الكبير : واعلم أنّه قد صحّ عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وعن الأئمّة ( عليهم السلام ) : " أنّ تفسير القرآن لا يجوز إلاّ بالأثر الصحيح والنصّ الصريح " ( 1 ) وروى العامّة عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قال : " من فسّر القرآن برأيه فأصاب الحقّ فقد أخطأ " ( 2 ) قالوا : وكره جماعة من التابعين القول في القرآن بالرأي كسعيد بن المسيّب وسالم بن عبد الله وغيرهم . والقول في ذلك : أنّ الله سبحانه وتعالى ندب إلى الاستنباط وأوضح السبيل إليه ومدح أقواماً فقال : " لعلمه الّذين يستنبطونه منهم " ( 3 ) وذمّ أُخرى على ترك تدبّره والإضراب عن التفكّر فيه فقال : ( أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) ( 4 ) وذكر أنّ القرآن منزل بلسان العرب فقال : ( إنّا جعلناه قرآناً عربيّاً ) ( 5 ) إلى أن قال : هذا وأمثاله يدلّ على أنّ الخبر متروك الظاهر ، فيكون معناه - إن صحّ - أنّ من حمل القرآن على رأيه ولم يعلم شواهد ألفاظه فأصاب الحقّ فقد أخطأ الدليل . وقد روي عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أنّه قال : القرآن ذلول ذو وجوه فاحملوه على أحسن الوجوه . وروي عن عبد الله بن عبّاس أنّه قال قسّم وجوه التفسير على أربعة أقسام : تفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تعرفه العرب بكلامهم ، وتفسير تعرفه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلاّ الله تعالى ، فأمّا الّذي لا يعذر أحد بجهالته فهو ما يلزم الكافّة من الشرائع الّتي في القرآن وجمل دلائل التوحيد . وأمّا الّذي تعرفه العرب بلسانها فهو حقائق اللغة وموضوع كلامهم . وأمّا الّذي تعلمه العلماء فهو تأويل المتشابه وفروع الأحكام . وأمّا الّذي لا يعلمه إلاّ الله عزّ وجلّ فهو ما يجري مجرى الغيوب وقيام الساعة . تمّ كلامه ( 6 ) .
--> ( 1 ) مجمع البيان : المقدمة ، الفنّ الثالث . ( 2 ) سُنن أبي داود 3 : 320 ، الرقم 3652 . ( 3 ) النساء : 83 . ( 4 ) محمّد : 24 . ( 5 ) الزخرف : 3 . ( 6 ) أي كلام الطبرسي .