أحمد بن أعثم الكوفي
202
الفتوح
أنصفتنا في الحرب يا عبيده * أثبت فإن غايتي بعيده وعدتي إن ترمها شديده وجمرتي يوم الوغى شديده * كم من وعيد لك في قصيدة إن الوعيد غاية الوليدة ثم التقيا جميعا الأعلم العبدي وعبيدة بن هلال فتضاربا بسيفهما ساعة ثم افترقا . قال : وصاح قطري بن الفجاءة أن يا معشر المهاجرين ! إن الليل أخو الهول ، فاثبتوا لحرب هؤلاء المحلين . قال : فاضطرب القوم اضطرابا شديدا ليلتهم تلك ، حتى إذا أصبحوا انهزم أصحاب ابن معمر هزيمة قبيحة وأخذتهم سيوف الأزارقة فقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، ثم زحفوا إلى سواد ابن معمر فاستباحوه وأخذوا جميع ما فيه ، ثم رجعوا إلى سابور بالغنائم . قال : وأقبل ابن معمر إلى أصحابه فقال : يا أهل البصرة ! ( 1 ) لو كنتم تقاتلون معي كقتالكم مع المهلب إذا لبلغت الذي أريد من حرب هذا العدو ، ولكنكم تقولون ( 2 ) : هذا رجل حجازي ، خيره لغيرنا وشره علينا ، وأيم الله ! لقد أردت أن أكتب فيكم إلي أمير المؤمنين فأشكوكم إليه ، لكني كرهت أن يتمادى بكم اللجاج ويتمادى بي الغضب . قال : فقام إليه عمران بن عصام العنبري فقال : أيها الأمير ! إن المهلب كان يقاتل بنا قتال الصعلوك ويسوسنا سياسة الملوك ، حتى سكنا إليه في الليل وآنسنا به في النهار . قال : فغضب ابن معمر من قول العنبري ثم دعا بدفتر الجند فحلق على اسمه ، فتركه العنبري وصار إلى المهلب فحدثه بالقصة على جهتها ، فقربه المهلب وأدناه وزاد في الكرامة . قال : وبلغ أهل البصرة ما قتل منهم فاغتموا لذلك ، قال : وطمعت الأزارقة بعد هذه الوقعة في أخذ البصرة وغيرها ، وندم مصعب بن الزبير على عزل المهلب وتوليته ابن معمر ( 3 ) ، وعلم أن لا يقوم بحرب الأزارقة غير المهلب لأنه قد ذاقهم
--> ( 1 ) في الكامل للمبرد 3 / 1267 لو ناصحتموني مناصحتكم المهلب لرجوت أن أفني هذا العدو . ( 2 ) في الكامل للمبرد : قرشي حجازي بعيد الدار ، خيره لغيرنا ، فتقاتلون معي تعذيرا . ( 3 ) ومما قاله مصعب : العجب لعمر ، قطع هذا العدو الذي هو بصدد محاربته أرض فارس فلم يقاتلهم ولو قاتلهم وفر كان أعذر له . وكتب إليه : يا بن معمر ما أنصفتني ، تجبي الفيء وتحيد عن العدو ، فاكفني أمرهم .