أحمد بن أعثم الكوفي

353

الفتوح

فجعل مسلمة يحاربهم أياما كثيرة وليال ، وهو في ذلك لا يقدر عليها ولا يطمع فيها لحصانتها ووثاقة سورها ، لأن سورها إنما كان من بناء أنو شروان بن قباذ بن فيروز ملك فارس مما يبنى في الدهر الأول . قال : فبينا مسلمة كذلك وإذا برجل من الخزر قد أقبل إليه خوفا على نفسه وأهله وولده ، فقال : أيها الأمير ! إني قد أقبلت إليك راغبا في دينك ، أريد الدخول في الإسلام على أن تجعل لي معاشا أعيش به أنا وعيالي وأدلك على موضع تدخل منه أصحابك إلى هذه المدينة ! قال : فضمن له مسلمة أن يعطيه ما أراد ، فأسلم الخزري ووجه معه مسلمة بألف رجل من أشد أصحابه ، وذلك في أول الليل . قال : وجعل ( 1 ) أصحاب مسلمة يسيرون وذلك الخزري بين أيديهم حتى صعد بهم الجبل من ناحية الوادي ، ثم أحدر هم إلى موضع من السور قد كان ( 2 ) أهل الباب آمنون من ذلك الموضع ، لا يخافون أن يؤتون منه . قال : فجعل الخزري يداخل الرجل بعد الرجل من المسلمين حتى أدخل بعضهم . قال : وبادرتهم أهل الباب من داخل المدينة ووقعت الصيحة فاجتمعوا على المسلمين ، واقتتل الناس في ليلتهم تلك قتالا شديدا حتى كاد يسمع وقع السيوف على البيض والدرق كوقع الحديد بعضه على بعض ، حتى إذا كان وقت السحر رفع المسلمون أصواتهم بالتكبير ، وصاح رجل من عسكر مسلمة : ألا إنه الظفر ورب الكعبة ! قال : وركب مسلمة في المسلمين ليعينوا إخوانهم ، وفتحت الخزر بابا من أبواب المدينة وخرجوا هاربين على وجوههم ، وصارت المدينة ونساؤهم في أيديهم وأولادهم . قال : وعزم مسلمة على هدم سور المدينة ، فقال له بعض أصحابه : لا تهدم هذا السور ، فلعلنا نحتاج إلى هذه المدينة فتريد أن تكلفنا بناء هذا السور بالمؤنة الكثيرة ، ولعلنا لا نبلغ من إحكامه ما نريد ! فقال مسلمة : صدقت ، ولكني حلفت أن أهدمه ولا بد لي من ذلك ! فقال : فأهدم بعضه واترك بعضه ، قال : فأمر مسلمة بهدم بعض السور لمكان يمينه .

--> ( 1 ) باب الأبواب على بحر طبرستان ، وهي مدينة تكون أكبر من أردبيل ( انظر في بنائها ما ذكره ياقوت في معجم البلدان ) . ( 2 ) الأصل : جعلوا . ( 3 ) الأصل : كانوا .