أحمد بن أعثم الكوفي

345

الفتوح

قال : [ فكتب - ] ( 1 ) إليه ابن الحنفية : أما بعد ! فقد أتاني كتابك ترعد لي وتبرق ، وتذكر أن الناس قد بايعوا واستقاموا ، وإنه لم يكن من شأني أن أبايع أحدا حتى يجتمع الناس على رجل واحد ، كنت أنت أم غيرك ، وأيما واحد من الناس رضوا به بايعته ، وإلا فهذا مكاني حتى يحكم الله بيني وبين من أرادني بسوء وهو أحكم الحاكمين ، وأما ما ذكرت أنك تسقيني بكأس ابن الزبير إن أنا لم أستقم ولم أبايع ، فإن ذلك ليس إليك ولا بيدك ، إن لله تعالى في كل يوم ثلاثمائة لمحة يحيي ويميت ، ويعز ويذل ، ويرفع ويضع ، ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ، وقد رجوت أن يلحقك بعض لمحاته فيرد عني كيدك وبغيك وظلمك - والسلام ( 2 ) - . قال : فلما ورد كتاب محمد ابن الحنفية على عبد الملك بن مروان غضب لذلك ، ثم استشار أهل الشام في قتله ، فكل أشار عليه بذلك . قال : واتقى ابن الحنفية وخشي أن يكتب إلى الحجاج فيأمره فيه بأمر ، ولم يجد من البيعة لعبد الملك بن مروان بدا ، فعزم على الكتاب إليه في ذلك . ذكر كتاب محمد ابن الحنفية إلى عبد الملك بن مروان قال : فدعا ابن الحنفية برجل من شيعته يكنى أبا عبد الله ويعرف بالجدلي وكان من خيار شيعته ، فكتب معه كتابا إلى عبد الملك بن مروان : أما بعد ! فإني لما رأيت هذه الأمة قد اختلفت نيتها ، وضيعت دينها ، وسفهت أحلامها ، ونبذت علم كتاب الله ربها ، وسفكت دماءها بغير حق ، اعتزلتهم إلى البيت الحرام الذي من دخله كان آمنا ، لأمنع بذلك دمي من الجهال والضلال والظالمين وكل جبار عنيد لا يؤمن بيوم الحساب ، وتركت الناس أشياعا وأحزابا ، كل يعمل على شاكلته ، والله يقضي بالحق ويحكم يوم القيامة بين الخلق ، فيجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ، وقد كان من رأيي ورأي من اتبعني واقتدى برأيي أن لا يجتمع بأحد اختلف ( 3 ) الناس عليه ، ولا يخالف أحدا اجتمع ( 4 ) الناس له ، وقد رأينا

--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) انظر مروج الذهب 3 / 139 وفيه أن كلام ابن الحنفية هذا قاله للحجاج بن يوسف . ( 3 ) الأصل : اختلفوا . ( 4 ) الأصل : اجتمعوا .