أحمد بن أعثم الكوفي

317

الفتوح

جعلت فداك يا بن أمير المؤمنين علي الرضي وابن عم النبي ، والله ! ما الرأي عندنا إلا أن توثق هذه الساعة في الحديد وتحبسه عندك ، فإن أمسك عنك أخاه وبعث بالرضا وإلا قدمت هذا فضربت عنقه ! فقال محمد ابن الحنفية : سبحان الله ! أو يكون هذا الذي ذكرت من أعمال الجبابرة وأهل الغدر ؟ معاذ الله أن نقتل من لم يقتلنا ، أو نبدأ بقتال من لم يقاتلنا . قال : ثم أقبل ابن الحنفية على عروة بن الزبير فقال له : انطلق إلى أخيك هذا فقال له عني ( 1 ) : إنك ذكرت أنه قد استوسق لك الناس وفتحت لك البلاد ، وهذا عبد الملك بن مروان حي قائم يدعى له بالشامات كلها وأرض مصر ، وفي يده مفاتيح الخلافة ، ولست أدري ما يكون من الحدثان ، فإذا علمت أنه ليس أحد يناويك في سلطانك بايعتك ودخلت في طاعتك والسلام . قال : فرجع عروة إلى أخيه عبد الله بن الزبير فأخبره بذلك . ذكر خطبة محمد ابن الحنفية رضي الله عنه وكلامه لأصحابه قال : ثم قام محمد ابن الحنفية في أصحابه خطيبا ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : أيها الناس ! إن هذه الأمة قد ضلت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ربها ، وتاهت عن معالم دينها إلا قليلا منها ، فهم يرقعون في هذه الدنيا حتى كأنهم لها خلقوا ، وقد نسوا الآخرة حتى كأنهم بها لم يؤمروا ، فهم يضلون على الدنيا أنفسهم ، ويقطعون فيها أرحامهم ، ويفرطون لها عن سنة نبيهم ، ولا يبالون ما أتوه فيها من نقص دينهم إذا سلمت لهم دنياهم ، اللهم فلا تنسنا ذكرك ، ولا تؤمنا مكرك ، ولا تجعل الدنيا لنا هما ، ولا تحرمنا صحبة الصالحين في دار السلام . قال : ثم أقبل على أصحابه فقال : إني أرى ما بكم من الجهد ، ولو كان عندي فضل لم أدخره عنكم ، وقد تعلمون ما ألقى من هذا الرجل الذي قرب دماؤه ، وأساء جواره ، وظهرت ، عداوته ، واشتدت ظعينته ، يريد أن يثور بنا ( 2 ) في مكاننا هذا ، وقد أذنت لمن أحب منكم أن ينصرف إلى بلاده ، فإنه ( 3 ) لا لوم عليه مني ، وأنا مقيم في هذه الحرم أبدا حتى يفتح الله لي وهو خير الفاتحين . قال : فقام إليه أبو عبد الله

--> ( 1 ) في ابن الأثير 2 / 689 فقال ابن الحنفية : بؤسا لأخيك ما ألجه فيما أسخط الله وأغفله عن ذات الله . ( 2 ) عن ابن الأثير 2 / 689 وبالأصل : " يثور إلينا " . ( 3 ) ابن الأثير : فإنه لا ذمام عليه منا ولا لوم .