أحمد بن أعثم الكوفي
281
الفتوح
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كسبايا الروم والترك والديلم من بلد إلى بلد ، حتى أدخلوا على يزيد ، إنه ما فعل فرعون ببني إسرائيل ما فعل هذا الملعون بأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، وما هو قد جاءه الله بكم وجاءكم به ، ولا أنتم في بلدكم ولا هو في بلده ، والله إني لأرجو أن يكون الله تعالى لم يجمع بينكم وبينه في هذا الموضع إلا لهلاكه وهلاك من معه من هؤلاء المحلين . قال : ثم تقدم إبراهيم بن الأشتر قدام أصحابه فجعل يضرب بسيفه قدما قدما وهو يقول شعرا . قال : ثم حمل وحمل ( 1 ) معه أهل العراق بأجمعهم ، ثم اختلط ( 2 ) القوم فاصطفقوا بالسيوف ، وتطاعنوا بالرماح ، وتراموا بالسهام ، وجعل إبراهيم بن الأشتر يقول لصاحب رايته : تقدم بين يديك ، فداك أبي وأمي ولا تجزع ! فوالله ما أشبه هذا اليوم إلا بيوم الخميس وليلة الهرير بصفين . قال : فجعل صاحب راية ابن الأشتر يتقدم وأهل العراق يقاتلون ويتبعون الراية . قال : ونظر رجل من أهل الشام إلى صاحب راية ابن الأشتر فحمل عليه ، والتقوا واعتنقوا وسقطوا جميعا عن فرسهم إلى الأرض ، فجعل يقول هذا : اقتلوني وأين كذا وكذا ! وهذا يقول : اقتلوني وأين كذا وكذا ! فقتل الشامي وانفلت صاحب راية ابن الأشتر . قال : وحان وقت الصلاتين جميعا الظهر والعصر ، فما صلى القوم إلا بالإيماء والتكبير ، حتى إذا كان في وقت اصفرار الشمس انهزام ( 3 ) أهل الشام نحو مدينة الموصل ، وأخذهم السيف ، والقوم ينهزمون والسيف في أقفيتهم ، واختلط الظلام . ونظر إبراهيم بن الأشتر إلى رجل من القوم وعليه بزة حسنة ، ودرع سابغ ، وعمامة خز دكناء ، وديباجة خضراء من فوق الدرع ، وقد أخرج يده من الديباجة وفيها صفيحة له مذهبة . قال : فقصده ابن الأشتر لا لشيء إلا لتلك الصفيحة التي في يده والفرس التي تحته ، حتى إذا لحقه لم يكذب أن ضربه ضربة فشرقت يداه وغربت رجلاه ، واتكأ ابن الأشتر في ركابه فتناول الصفيحة ، وغار الفرس فلم يقدر عليه ! ولم يبصر الناس بعضهم بعضا من شدة الظلمة ، فتراجع أهل العراق إلى عسكرهم والخيل لا تطأ إلا على القتلى .
--> ( 1 ) الأصل : وحملوا . ( 2 ) الأصل : اختلطوا . ( 3 ) الأصل : انهزموا .