أحمد بن أعثم الكوفي

54

الفتوح

لا حاجة إلى أمان الغدرة ، ثم جعل يقاتلهم وهو يقول ( 1 ) : أقسمت لا أقتل إلا حرا * ولو وجدت الموت كأسا مرا أكره أن أخدع أو أغرا * كل امرئ يوما يلاقي شرا أضربكم ولا أخاف ضرا قال : فناداه محمد بن الأشعث وقال : ويحك يا بن عقيل ! إنك لا تكذب ولا تغر ( 2 ) ، القوم ليسوا بقاتليك فلا تقتل نفسك . قال : فلم يلتفت مسلم بن عقيل رحمه الله إلى كلام ابن الأشعث وجعل يقاتل حتى أثخن بالجراح وضعف عن القتال ، وتكاثروا عليه فجعلوا يرمونه بالنبل والحجارة ، فقال مسلم : ويلكم ! ما لكم ترمونني بالحجارة كما ترمى الكفار ! وأنا من أهل بيت الأنبياء الأبرار ، ويلكم ! أما ترعون حق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذريته . قال : ثم حمل عليهم على ضعفه فكسرهم وفرقهم في الدروب ، ثم رجع وأسند ظهره إلى باب دار هناك ، فرجع القوم إليه فصاح بهم محمد بن الأشعث : ذروه حتى أكلمه بما يريد . قال : ثم دنا منه ابن الأشعث حتى وقف قبالته وقال : ويلك يا بن عقيل ! لا تقتل نفسك ، أنت آمن ودمك في عنقي . فقال له مسلم : أتظن يا بن الأشعث أني أعطي بيدي أبدا وأنا أقدر على القتال ! لا والله لا كان ذلك أبدا ! ثم حمل عليه حتى ألحقه بأصحابه . ثم رجع موضعه فوقف وقال : اللهم ! إن العطش قد بلغ ( 3 ) مني . قال : فلم يجسر أحد أن يسقيه الماء ولا قرب منه . فأقبل ابن الأشعث على أصحابه وقال : ويلكم ! إن هذا لهو العار والفشل أن تجزعوا من رجل واحد هذا الجزع ، احملوا عليه بأجمعكم حملة واحدة . قال : فحملوا عليه وحمل عليهم ، فقصده من أهل الكوفة رجل يقال له بكير بن حمران الأحمري ، فاختلفا بضربتين فضربه بكير ضربة على شفته العليا ( 4 ) ، وضربه مسلم بن عقيل ضربة فسقط إلى الأرض قتيلا ، قال : فطعن من ورائه طعنة فسقط

--> ( 1 ) الأرجاز في الطبري وابن الأثير ومروج الذهب باختلاف في بعض الألفاظ والتعابير . ( 2 ) عن مروج الذهب وبالأصل " لا تعرف " . ( 3 ) الأصل : أبلغ . ( 4 ) في الطبري ومروج الذهب : فضرب بكير فم مسلم فقطع شفته العليا ، وأشرع السيف في السفلى ، ونصلت له ثنيتاه .