أحمد بن أعثم الكوفي
168
الفتوح
عبيد الله بن زياد حتى يلحقوه بالشام . قال : فخرج عبيد الله بن زياد في جوف الليل مع جماعة من خاصته وغلمانه وحشمه ومعه هؤلاء الثلاثون رجلا ، فساروا حتى أصبحوا على مرحلتين من البصرة ، واستقام لهم الطريق فساروا وجعل عبيد الله بن زياد - لعنه الله - يفكر في أمره ، فقال له بعض من كان معه ( 1 ) : أيها الأمير ! إني أراك مفكرا وكأن قد علمت فيما تفكر . فقال عبيد الله بن زياد : وما ذلك ؟ فقال : إن فكرت فقلت يا ليتني لم أقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما ، وليتني لم أبن داري البيضاء والحمراء ( 2 ) وليتني لم أستعمل الدهاقين على كور البصرة ( 3 ) ! فقال ابن زياد - لعنه الله - : لا والله ما أصبت ! أما الحسين بن علي - رحمه الله - فإنه صار إلى أهل العراق يريد قتلي فاخترت أن أقتله ، وأما داري الحمراء والبيضاء فإني أنفقت عليهما مالي الذي وصلني به يزيد ( 4 ) ، وأما الدهاقين فإني استعملتهم برضاء أهل البصرة ، ولكنني كنت أفكر يا ليتني كنت قتلت أولئك القوم الذين قدموا من عند عبد الله بن الزبير ، فإني أعلم أنهم هم فراعنة أهل البصرة ، وسيكون لهم نبأ ( 5 ) . وبلغ ذلك أهل البصرة أن مسعود بن عمرو الأزدي هو الذي أجار عبيد الله بن زياد ، فجاؤوا إليه ودخلوا عليه فقتلوه في جوف الليل ونبهوا ماله ( 6 ) . قال : وسار عبيد الله بن زياد - لعنه الله - حتى صار إلى الشام ، وبلغ ذلك سلم ( 7 ) بن زياد وهو يومئذ بخراسان بمدينة مرثي كما ولاه يزيد بن معاوية من قبل ، وكان أيضا لا يصدق موت يزيد ، غير أنه قعد في منزله وأغلق بابه ، واحتجب عن الناس ، فبعث إليه شاعره حنظلة بن قيس بن عروة التميمي ( 8 ) بهذه الأبيات :
--> ( 1 ) وهو رجل من بني يشكر ، اكتراه مسعود ليهدي ابن زياد ومن معه على الطريق . ( 2 ) كذا ، وتكرر ذكر الحمراء ولم نجدها . وفي الطبري 5 / 522 : ليتني لم أكن بنيت البيضاء . وفي الأخبار الطوال : القصر الأبيض . ( 3 ) الأصل والطبري ، ومكانها في الأخبار الطوال : وندمت على ما كان من قتلك الخوارج من أهل البصرة على الظنة والتوهم . وزيد في الطبري : تقول : ليتني كنت أسخى مما كنت . ( 4 ) بالأصل : " معاوية بن يزيد " خطأ وما أثبت عن الطبري . ( 5 ) انظر ما ورد هنا في الطبري 5 / 523 والأخبار الطوال ص 285 والإمامة والسياسة 2 / 30 . ( 6 ) انظر خبر مقتل مسعود بن عمرو في الطبري 5 / 517 . ( 7 ) بالأصل : مسلم . ( 8 ) كذا ، وفي الطبري 5 / 545 حنظلة بن عرادة ، وقد مر خبره لما عين يزيد بن معاوية سلم على خراسان وتوجه إلى البصرة يختار من رجالها ، فاختاره معه . وانظر ابن الأثير 2 / 622 .