أحمد بن أعثم الكوفي
289
الفتوح
منها على الهلاك ، فيجب أن تكف عنا ونكف عنك إلى أن يأتيك علم ذلك . قال : فأمسك قيس بن سعد عن القتال ينتظر الخبر ، قال : وجعل أهل العراق يتوجهون إلى معاوية قبيلة بعد قبيلة ، حتى خف عسكره . فلما رأى ذلك كتب إلى الحسن بن علي يخبره بما هو فيه . فلما قرأ الحسن الكتاب أرسل إلى وجوه أصحابه فدعاهم ، ثم قال : يا أهل العراق ! ما أصنع بجماعتكم معي وهذا كتاب قيس بن سعد يخبرني بأن أهل الشرف منكم قد صاروا إلى معاوية ، أما والله ما هذا بمنكر منكم لأنكم أنتم الذين أكرهتم أبي يوم صفين على الحكمين ، فلما أمضى الحكومة وقبل منكم اختلفتم ، ثم دعاكم إلى قتال معاوية ثانية فتوانيتم ، ثم صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه . ثم دعاكم إلى قتال معاوية ثانية فتوانيتم ، ثم صار إلى ما صار إليه من كرامة الله إياه . ثم إنكم بايعتموني طائعين غير مكرهين ، فأخذت بيعتكم وخرجت في وجهي هذا ، والله يعلم ما نويت فيه ، فكان منكم إلي ما كان ، يا أهل العراق ! فحسبي منكم لا تعزوني في ديني فإني مسلم هذا الأمر إلى معاوية ( 1 ) . قال : فقال له أخوه الحسين : يا أخي ! أعيذك بالله من هذا ! فقال الحسن :
--> ( 1 ) مر قريبا أن الحسن بن علي ، وبعد الموقف الهجومي الذي اتخذه معاوية في الرد على كتاب للحسن يدعوه لبيعته ، إذ فاجأه معاوية بتجهيز أكثر من ستين ألفا وبالمسير نحو العراق . فأسرع الحسن في استنفار قواته وعماله وتعبئة جيشه والتوجه إلى المدائن فمسكن ، وقد ذكرنا - انظر ما لاحظناه قريبا - أنه حدثت تطورات وأوضاع هامة وخطيرة وهو في المدائن تركت الحسن في موقف بالغ الدقة والخطورة حيث غلبت عليه الحيرة في الموقف المفترض اتخاذه ثم طرأ أيضا ظروف أدق - حتمت عليه - اتخاذ الموقف الجريء الواضح والذي لم يرض أن يهرق في أمره محجمة دم ، فكانت خطة حقن الدماء التي أقرها وقررها . وأما الظروف المستجدة - إلى جانب التطورات التي ذكرناها سابقا - والتي أملت عليه اتخاذ هذا الموقف فهي : 1 - خطة الحرب النفسية والدعائية التي شنها معاوية والتي قضى من ورائها تدمير مقاومة الجيش في مسكن . 2 - نشر الشائعات في جيس الحسن ، وكانوا من أغرار الناس والمتأرجحين بين الطاعة والعصيان والمتأهبين للفتنة والاضطرابات في كل حين . 3 - تهديم معنويات جيش الحسن . ولعبة تفتيته على قاعدة العناصر والألوان التي كثرت فيه . أمام هذا كله وقف الحسن غير عابىء بما يدور حوله ، ووضع خطته فيما يريده الله وما يؤثره عن رسول الله ( ص ) وما يجب لصيانة المبدأ ، وأما ما يقوله الناس فلم يكن ذلك ما يعنيه كثيرا ( الطبري - اليعقوبي - ابن كثير ) .