أحمد بن أعثم الكوفي

268

الفتوح

قال : وعندها نادى علي في أصحابه وأمرهم بالمسير إلى النهروان ، فرحل ورحل الناس معه في السلاح والآلة الكاملة والعدة القوية ( 1 ) ، حتى إذا صار قريبا من النهروان نظر فإذا برجل من أصحابه قد عدل عن الطريق وجلس على ترسه ، فعلم علي رضي الله عنه أنه قد شك في قتال أهل النهروان ، فعدل إليه علي بن أبي طالب وقام الرجل فجلس علي في موضعه ، فإذا برجل قد أقبل من ناحية نهروان يركض على فرس له ، فصاح به علي كرم الله وجهه : إلي ! فجاء إليه ، فقال له علي : ما وراءك ؟ فقال : إن القوم لما علموا أنك تقاربت منهم عبروا النهروان هاربين ، فقال له علي رضي الله عنه : أنت رأيتهم حين عبروا ؟ قال : نعم ، قال علي : كلا والذي بعث بالحق نبيا لا يعبرون ولا يبلغون إلى قصر بوران بنت كسرى حتى يقتل الله مقاتلهم على يدي ، فلا يبقى منهم إلا أقل من عشرة ، ولا يقتل من أصحابي إلا أقل من عشرة ، ذلك عهد معهود وقضاء مقضي ( 2 ) . قال ( 2 ) : ثم نهض علي فركب حتى وافى القوم ، وإذا هم قد مدوا الرماح في وجه علي وأصحابه وهم يقولون : لا حكم إلا لله . فقال علي رضي الله عنه : لا أنتظر فيكم إلا حكم الله . قال : ثم عبي علي أصحابه ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين ، ثم دعا بعبد الله بن عباس فقال له : تقدم إلى هؤلاء واحتج عليهم وانظر ماذا يقولون ! قال : فقال له ابن عباس : يا أمير المؤمنين أفألقي عني حلتي هذه وألبس درعي ؟ فإني أخاف القوم على نفسي ، فقال له علي : إني لا أخافهم عليك ، فتقدم فها أنا ذا من وراءك . قال : فتقدم عبد الله بن عباس حتى واجه القوم ، ثم قال : أيها الناس ! ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين ؟ فقالوا له : يا بن عباس ! إن الذي نقمناه عليك في وقتنا هذا أشد مما نقمناه على علي ، وذلك إنك قد جئتنا في حلة يمانية ونحن نريد حربك وحرب ابن عمك ، فقال ابن عباس : أما هذه الحلة فقد رأيت خيرا منها على من هو خير مني وهو أبو القاسم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وأما الحرب فقد دنت منا ومنكم ولا شك

--> ( 1 ) في مروج الذهب 2 / 449 انفصل علي عن الكوفة في خمسة وثلاثين ألفا ، وأتاه من البصرة من قبل ابن عباس عشرة آلاف . ( 2 ) مروج الذهب 2 / 450 الكامل للمبرد 3 / 1105 الكامل لابن الأثير 2 / 405 شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 463 . ( 3 ) انظر تاريخ اليعقوبي 2 / 191 - 192 .