أحمد بن أعثم الكوفي
350
الفتوح
إلى العبادة ورضي بالوحدة ، فترك الدنيا وتخلى منها فهو لا يأخذ منها شيئا ، وإنما تجارته من هذه الدنيا كتجارة أبيه عمر بن الخطاب ، فأقرئه مني السلام وتعاهده بالعطاء الموفر أفضل تعاهد . وأما عبد الله بن الزبير فما أخوفني أنك تلقى منه عتبا ! فإنه صاحب خلل في القول وزلل في الرأي وضعف في النظر ، مفرط في الأمور مقصر في الحقوق ، وإنه سيحثو ( 1 ) لك كما يحثو الأسد في عرينه ويراوغك رواغ ( 2 ) الثعلب ، فإذا ( 3 ) أمكنه منك فرصة لعب بك كيف شاء ، فكن له يا بني كذلك ، واجزه صاعا بصاع ، واحذه حذو النعل إلا أن يدخل لك في الصلح والبيعة وبتوبة فأقمه على ما يريد . وأما الحسين بن علي فأوه أوه يا يزيد ! ماذا أقول لك فيه ! فاحذر أن لا يتعرض لك ومد له حبلا طويلا وذره يضرب في الأرض حيث شاء ولا تؤذه ، ولكن ارعد له وابرق ، وإياك والمكاشفة له في محاربة سل سيف أو محاربة طعن رمح ، ثم أعطه ووقره وبجله ، فإن حال أحد من أهل بيته فوسع عليهم وأرضهم فإنهم أهل بيت لا يرضيهم إلا الرضى ، ولا يسعهم إلا المنزلة الرفيعة ، وإياك يا بني أن تلقى الله بدمه فتكون من الهالكين ، فإن ابن عباس حدثني فقال : إني حضرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في السياق وقد ضم الحسين بن علي إلى صدره وهو يقول : هذا من أطائب أرومتي وأنوار عترتي وخيار ذريتي ، لا بارك الله فيمن لا يحفظه بعدي ! قال ابن عباس : ثم أغمي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ساعة ثم أفاق وقال : يا حسين ! إن لي ولقاتلك يوم القيامة مقاما بين يدي ربي وخصومة ، وقد طابت نفسي إذ جعلني الله خصيما لمن قتلك يوم القيامة . يا بني ! هذا حديث ابن عباس ، وأنا أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : أتاني جبريل يوما فخبرني وقال : يا محمد ! إن أمتك ستقتل ابنك حسينا وقاتله لعين هذه الأمة ، ولقد لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يا بني قاتل الحسين مرارا ، فانظر لنفسك ثم انظر أن لا يتعرض له بأذية ، فحقه والله يا بني عظيم ، ولقد رأيتني كيف كنت أحتمله في حياتي وأضع له رقبتي وهو يواجهني بالكلام الذي يمضني ويؤلم قلبي ، فلا أجيبه ولا أقدر له على حيلة ، فإنه بقية أهل الأرض في يومه هذا ، وقد أعذر من أنذر . قال : ثم أقبل [ على ] الضحاك ومسلم بن عقبة فقال لهما معاوية : أشهدا
--> ( 1 ) الطبري : يجثم لك جثوم الأسد . ( 2 ) الطبري وابن الأثير : مراوغة . الأخبار الطوال : روغان . ( 3 ) عبارة الأخبار الطوال : فإن فعل وظفرت به ، فقطعه إربا إربا إلا أن يلتمس منك صلحا