أحمد بن أعثم الكوفي

354

الفتوح

قال : فلم تزل جزيرة رودس بعد ذلك خرابا يبابا إلى خلافة معاوية ، فلما صارت الخلافة إليه أرسل إلى رودس فعمرها وبنى فيها مسجدا وشحنها بالمسلمين وقواهم بالأموال والسلاح وأمرهم بالزراعة ، فلم يزل المسلمون بها سبع سنين ( 1 ) لا يطمع فيها ملك الروم ولا غيره من الكفار - والله أعلم - . ذكر ما ذكر مجاهد عن هذه الجزيرة . قال مجاهد ( 2 ) : لقد دخلت مدينة رودس في سنة ثلاث وخمسين فبنينا فيها مسجدا وأقمنا بها مؤذنا ونصلي . قال مجاهد : وكان تبيع [ ابن - ] ( 3 ) امرأة كعب الأحبار وكنت أقرئه القرآن فقال لي ذات يوم : يا مجاهد ! كأنك بهذه الجزيرة قد خربت وذهب رسمها ، فقلت : يا تبيع ! وتخرب هذه الجزيرة ؟ فقال : وعلامة ذلك أنه يهب ريح عاصف فتلقى هذه الدرجة ، قال مجاهد : فوالله ما لبثنا أن جاءت الريح ذات يوم فرمت بتلك الدرجة وجاءنا كتاب يزيد بن معاوية من الشام بموت معاوية ، فقفلنا وخربت الجزيرة إلى الساعة . ذكر ما كان من قسطنطين ملك الروم ومحاربته مع المسلمين في البحر ( 4 ) . قال : فبينا المسلمون كذلك إذ وقع الخبر بأن قسطنطين بن هرقل ملك الروم قد جمع الجموع وقد عزم على غزو المسلمين في البحر ( 5 ) ، قال : وبلغ ذلك

--> ( 1 ) وكان ذلك سنة 53 ه‍ . وقد مرت الإشارة إلى ذلك . ( 2 ) هو مجاهد بن جبر ترجم له في حلية الأولياء 3 / 279 البداية والنهاية 9 / 224 شذرات الذهب 1 / 125 . ( 3 ) زيادة عن فتوح البلدان ص 237 . ( 4 ) وهي المعركة المعروفة ب‍ ( غزوة ذات الصواري ) انظر الطبري 5 / 68 وابن الأثير 2 / 253 البداية والنهاية 7 / 177 . ( 5 ) في أسباب خروج قسطنطين بقوة بحرية هائلة لضرب المسلمين : - توسع النشاط البحري الاسلامي بعد ما أدرك المسلمون أن الاتصال بالبحر المتوسط والتعرض لأخطار البيزنطيين يتطلب إنشاء قوة بحرية ، ويعتبر معاوية أول سياسي عربي أدرك ما للأسطول من القيمة الاستراتيجية في مواجهة الاخطار البيزنطية . - تحرك المسلمين نحو المتوسط عبر عنه غزوة جزيرة قبرس ، والتي تعتبر من أعظم القواعد الاستراتيجية للأسطول البيزنطي في الشرق . - تجدد العمليات البحرية الاسلامية في الغارة التي شنت على رودس ، وجزيرة كوس وجزيرة كريت . ولا شك أن معاوية كان يهدف من وراء هذه العمليات الاستيلاء على القسطنطينية ، ويدل على ذلك حرصه على تأمين الطريق المؤدي إليها . أما السبب المباشر لحركة قسطنطين فهو ما أصاب المسلمون من البيزنطيين بإفريقيا ( الطبري 5 / 69 الدولة البيزنطية للعريني ص 142 ) .