أحمد بن أعثم الكوفي
327
الفتوح
فلما سلم وثب الناس يتعدون خلف أبي لؤلؤة وهم يقولون : خذوه فقد قتل أمير المؤمنين ! فكان كلما لحقه رجل من المسلمين ليأخذه وجأه أبو لؤلؤة بالخنجر حتى جرح من المسلمين ثلاثة عشر رجلا ( 1 ) ، مات منهم ستة نفر ، قال : ولحقه رجل من ورائه فألقى على رأسه برنسا فأخذه ، فلما علم أبو لؤلؤة أنه قد أخذ وجأ نفسه وجأة فقتل نفسه . قال : واحتمل عمر رضي الله عنه إلى منزله وهو لما به ، قال : واجتمع إليه الناس فقال عمر : أبو لؤلؤة قتلني أم غيره ؟ فقالوا : أبو لؤلؤة يا أمير المؤمنين ! فقال : الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يدي رجل مسلم ( 2 ) فأريد أن أخاصم يوم القيامة ذا سجدتين . قال : ثم أغمي عليه ساعة حتى فاتته صلاة الظهر ، فأيقظوه وقالوا : الصلاة يا أمير المؤمنين ! فقال عمر رضي الله عنه : نعم لاحظ في الاسلام لمن ترك الصلاة لكني على ما ترون . قال : ثم صلى عمر ، ودعي له بالطبيب ( 3 ) فسقاه نبيذا ( 4 ) حلوا من نبيذة فخرج النبيذ من جراحته فلم يدر أنبيذ هو أم دم ، فدعي له بطبيب من الأنصار من بني معاوية فسقاه لبنا فإذا اللبن قد خرج من جراحته أبيض ، فقال له الطبيب : أوص يا أمير المؤمنين فإنك ميت ، فقال عمر رضي الله عنه : صدقتني أخا الأنصار عن نفسي ، ثم استعبر باكيا فقال له ابن عباس : لا تبك يا أمير المؤمنين لا أبكى الله عينك وأبشر بالخير كله ، فوالله لقد كان إسلامك عزا وهجرتك فتحا وخلافتك رحمة ، ولقد أسلمت حين كفر الناس ، ونصرت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس ، وأنت من الذين أنزل الله تبارك وتعالى فيهم ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ) ( 5 ) وأنت من الذين أنزل الله في حقهم ( للفقراء المهجرين
--> ( 1 ) عند ابن سعد : طعن أحد عشر رجلا سوى عمر ثم انتحر بخنجره ، فمات منهم ستة وأفرق ستة ، وفي رواية أخرى عنده : طعن ثلاثة عشر ، فأفلت أربعة ومات تسعة ، أو أفلت تسعة ومات أربعة . ولما أدرك أنه مأخوذ - بعد أن ألقي عليه اليرعوبي برنسه - نحر نفسه بخنجره ( وانظر فتح الباري 7 / 51 ) . ( 2 ) في الطبري 5 / 13 : بيد رجل سجد لله سجدة واحدة . ( 3 ) من بني الحارث بن كعب . ( 4 ) المراد بالنبيذ هنا تمرات نبذت في ماء أي نقعت فيه ، كانوا يصنعون ذلك لاستعذاب الماء . ( 5 ) سورة الفتح : 18 .