أحمد بن أعثم الكوفي
323
الفتوح
فغضب عمر ثم قال : علي بعمرو بن العاص وبابنه محمد ! فأتي بهما جميعا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فلما وقفا بين يديه سألهما عما ذكر المصري فأنكرا ذلك ، فاستشهد عمر من كان بالموسم من أهل مصر ، فشهدوا بذلك ، فأمر عمر رضي الله عنه هذا المصري أن يأخذ حقه من محمد بن عمرو ، قال : فجعل المصري يقنع محمد بن عمرو بسوطه وعمر يقول : خذها وأنت ابن الأمين ! ثم قال عمر : قدموا الشيخ الأصلع - يعني عمرو بن العاص - فقال المصري : يا أمير المؤمنين ! إن عمرا لم يضربني ولكنه حبسني ، فقال عمر : أفتحب أن أحبسه كما حبسك ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ! قد صفحت عنه . قال : فغضب عمرو بن العاص فقال : إذ قد فعلت بي وبابني ما قد فعلت فلا ألي لك بعد اليوم عملا أبدا ( 1 ) ، فقال له عمر رضي الله عنه : فاذهب إذا حيث شئت ، لا والله يا معشر قريش ! ما تظنون إلا أن الناس لكم عبيد ، قال : ثم وقف عمر رضي الله عنه في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ! إني قد بينت لكم الفرائض وأقمت لكم السنن وأقفيتكم السبيل الواضحة ، فاتقوا الله ربكم وكونوا له شاكرين ، ألا ! وإنه قد كبرت سني ورق جلدي ودق عظمي ولا أظن أني أخطبكم بعدها أبدا ، فليعمل أحدكم لله كأنه يراه فإن لم يره فإن الله يراه ، وكفى بالله حسيبا ووكيلا ، والسلام . ذكر ابتداء مقتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه . قال : ثم نزل عمر رضي الله عنه عن المنبر ، ورجع الناس من الحج ، وقدم عليه المغيرة بن شعبة من الكوفة ومعه غلام له مجوسي ( 2 ) يقال له فيروز ويكنى أبا لؤلؤة ، قال : وكان هذا الغلام تاجرا رقيقا بصيرا بجميع الأعمال ، فأقبل إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين ! إن مولاي هذا المغيرة بن شعبة قد وظف علي في كل شهر مائة درهم ( 3 ) ولست أقدر على ذلك ، فإن رأيت أن تأمره أن يخفف عني من هذه الوظيفة والضريبة التي جعلها علي ، قال : فأرسل عمر إلى المغيرة بن شعبة فدعاه ثم أوصاه بغلامه وقال : اتق الله عز وجل ولا تكلفه ما لا يطيق وإن كان كافرا فإنه قد
--> ( 1 ) في الاستيعاب والإصابة أن عمر لم يزل واليا على مصر حتى مات عمر بن الخطاب . ( 2 ) في البداية والنهاية 7 / 154 مجوسي الأصل ، رومي الدار . وفي الطبري 5 / 12 وابن الأثير 2 / 209 كان نصرانيا . مروج الذهب 2 / 352 مجوسيا من أهل نهاوند . ( 3 ) في الطبري وابن الأثير : درهمان كل يوم . وانظر طبقات ابن سعد 3 / 345 ومروج الذهب 2 / 352 .