أحمد بن أعثم الكوفي
514
الفتوح
قال : فلما سمع معاوية شعر أخيه عتبة بعث إلى عمرو فدعاه وأعطاه مصر ، وكتب له بها كتابا وأثبت في الكتاب : لا ينقض طاعة شرطا ولا شرط طاعة ، وأخذ عمرو الكتاب وانصرف إلى منزله مسرورا ، فقال له ابن عم له : أبا عبد الله ! ما لي أراك فرحا مستبشرا وقد بعت دينك بدنياك ، أتظن أن أهل مصر يسلمون إليك مصر وهم الذين قتلوا عثمان بن عفان ؟ فتبسم عمرو ثم قال : يا بن أخ ! إن الامر لله عز وجل دون علي ومعاوية ، قال : فأنشأ ذلك الفتى يقول شعرا ( 1 ) . قال : فقال له عمرو : يا بن أخ ! إني لو كنت مع علي لوسعني بيتي ولكني مع معاوية ، فقال له الفتى : أما معاوية فإنه لم يردك ولكنه أراد دينك وأردت دنياه - والسلام - . قال : وبلغ ذلك معاوية وما تكلم به الفتى معه وهم بقتله ، فهرب فصار إلى علي رضي الله عنه فحدثه بالقصة وكيف بايع عمرو معاوية ، فقربه علي وأدناه وفرض له في كل أصحابه . قال : وغضب مروان بن الحكم ، ثم دخل على معاوية فقال : ما لي لا أشترى كما يشترى غيري ، فقال معاوية : إني ( 2 ) إنما ابتاع الرجال لك ، قال : فسكت مروان . قال جعفر بن محمد يحدث عن أبيه عن عبادة بن الصامت أنه نظر إلى معاوية وعمرو بن العاص مجتمعين ، فجاء حتى جلس بينهما فقال له أحدهما : أما لك مكان غير هذا ؟ فقال عبادة : بلى ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وقد نظر إليكما فأطال النظر ثم قال : ( إذا رأيتم معاوية وعمرا مجتمعين ففرقوا بينهما فإنهما لا يجتمعان على خير ) . قال : وأصبح معاوية بعد ما بايعه عمرو بن العاص فإذا برقعة مطوية على بساطه ، فأخذها ونظر فيها ، فإذا فيها أبيات من الشعر . قال : فدعا معاوية
--> ( 1 ) الأبيات في وقعة صفين ص 41 ومطلعها : ألا يا هند أخت بني زياد * دهي عمرو بداهية البلاد رمي عمرو بأعور عبشمي * بعيد القعر مخشي اللياد له خدع يحار العقل فيها * مزخرفة صوائد للفؤاد في أبيات أخرى . ( 2 ) الإمامة والسياسة 1 / 118 اسكت يا بن عم ، فإنما يشترى لك الرجال .